الصفحة 115 من 267

ولكن- هذه القصص التى تروى لأناس أسلموا باعجاز القرآن، فكيف تؤخذ قصصهم حجة، والأولى أن نذكر قول الكافرين للكافرين حين اختلوا بأنفسهم وتحدثوا في شأن القرآن، ثم نجادلهم فيما قالوا، حتى لا نحتج عن الخصم برأى نراه. وبقول نقوله نحن؟

ويجيب الجرجانى على هذه الشبهة بأن الدلالة ليست من نفس القول، وذات الصفة بل في مصدرهما، وفى أن أخرجا مخرج الأخبار عن أمر هو كالشيء البادى للعيون «1» فالاعتماد هنا على الخبرة وذويها وعلى مقتضى العلم، وليس على الصفة من جانب كفر أو ايمان.

وإذا كان القرآن معجزا، وفائتا لما يستطيعه العرب من ضروب النظم وأنواع التصرف فقد وجب القطع بأنه معجز لأحد سببين:

1 -أما أن يكونوا قد علموا مقدار الفرق بين النظم والنظم والنسج والنسج، فأقروا وانتهى الأمر «2» .

2 -وأما أنهم قد توهموا هذه المزية لغلط دخل عليهم أو لمرض، أصابهم، وثانى الأمرين، لغو يقال والذى يقال أنه: قد علمنا أنهم يقدمون شعراء الجاهلية على أنفسهم. ويقرون لهم بالفضل، ويجمعون على أن امرأ القيس وزهيرا والنابغة والأعشى من أشعر العرب، وإذا كان ذلك كذلك- فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوا؟

ويجيب الجرجانى- بأن هذا الفصل- على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، ذلك أنهم كانوا يرون أشعار الجاهليين وخطبهم ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكل جهات الفضل عليهم، فلو كانوا يرون فيما رووا مزية على القرآن، أو رأوه قريبا منه لكانوا يدّعون ذلك، ولو ذكروه لذكر عنهم «3» .

(1) انظر الجرجانى- الرسالة الشافية- 586.

(2) قارن بين هذا وبين ما ذهب إليه القاضى في تعريف الصرفة عنده «أنا نقول إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة على ما دللنا عليه، ولو لا علمهم بذلك لم تكن لتصرف دواعيهم- لأنا نجعل دواعيهم تابعة لمعرفتهم بأنها متعذرة-» عبد الجبار- إعجاز القرآن- 324.

(3) انظر الجرجانى- الرسالة الشافية- 587.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت