الصفحة 192 من 267

فالعدل الإلهى «1» الذى منح حرية الإرادة للانسان، وامكان القدرة، ثم هيأ للعقل أن يفكر ويجرب معارضة القرآن، حتى إذا فشل اعترف بالعجز، قد صرف أوهام من يريدون أن يتكلفوه، حتى لا يتعلق الناس بذبالات الممخرقين، ويختلط الأمر.

وأغلب الظن أن القول بالصرفة عند النظام لا يخرج عن هذا الإطار، وأذهب إلى أن الرأى الذى يتناقل الأشاعرة عنه فيه من التحريف ما فيه- يقول الدكتور الحاجرى عن رأى الجاحظ في الصرفة «إنما هى- كما يقول في موضع آخر- إلى أن لا يكون أهل الشّغب متعلق حين يحاول المعارضة محاول، فيأتى بما يتاح له من ذلك مضطربا أو ملفقا أو مستكرها، وليس يبعد عندنا- أن يكون هذا هو تأويل الصرفة عند النظام في حقيقة الأمر، وإنما حرّفه خصومه بعد أن فهموه على النحو الذى رأينا» «2» .

وإذا تدبرنا رأى الرمانى سنجده يدور في نفس الدائرة، وذلك حينما يشرح لنا كيف أن الصرفة تعتبر عنده أحد وجوه الإعجاز. يقول «و أما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة- وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التى يظهر فيها للعقول» «3» .

فهو يذكر ذلك، بعد أن ناقش كيف أنه معجز لترك المعارضة مع توافر دواعى العرب وشدة حاجتهم لها، ثم إعجازه لتحدّيه الكافة، وليس مع التحدى صرفة، إلا أن يصرف- المتكلفون فيه- عن أن يعارضوه بالشّبه فتعظم القصة، وتحتاج إلى محاكمة ويقع الزلل.

(1) العدل الإلهى: المسلمون جميعا يعتقدون بعدل اللّه، ولكن المعتزلة تعمقوا في فهمه، وأناروا حوله مسائل، أولاها: أن يسير بالخلق إلى غاية. وأنه سبحانه يريد خير ما يكون لخلقه ... فعاقبة الدنيا هى الخير، وهذا ما أراده اللّه، وأما الشر في الآخرة فمن نتائج؟؟؟ الكفار.

(2) الدكتور طه الحاجرى- الجاحظ- 323.

(3) الرمانى- النكت في الاعجاز- 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت