من ايماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه، والقديم لا جارحة له فيصح الإيماء والاشارة منه» «1» .
فالقول باصطلاح اللغة يخدم رأى المعتزلة في التوحيد من ناحية، والعدل أو حرية الإرادة من ناحية أخرى، ويخدم أيضا ناحية الاتساع اللغوى، يقول ابن جنى «اللغات على اختلافها حجة» «2» .
ولكن، أدى الأمر بالمعتزلة إلى الشطط أحيانا، وإلى اختراق الحواجز أحيانا أخرى فتقدم العقل، والتوسع في التأويل، مع الاعتقاد بأن اللغة اصطلاح وأن أكثرها مجاز لا حقيقة «3» ، فقد أوردهم المضايق في بعض أحوالهم، والذى يطالع متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار أو تفسير الكشاف للزمخشرى، يضع يده وبسهولة على مواطن نزق العقل وجفاف أحكامه وعدم مطاوعته- أحيانا- لأحكام العقل نفسه بل أحكام الذوق والكياسة في الحديث عن الرسول وعن غيره من شخصيات لها قدرها.
أما الأشاعرة، فقد احترموا العقل أيضا، ولكنهم- في ضوء مبادئهم- لم ينساقوا معه إلى نهاية الطريق، فهذا الجرجانى يهاجم المجازات الاعتزالية في التأويل ويسمى المعتزلة (محبّى الإغراب في التأويل) ويصف محاولتهم هذه «بالإفراط» «4» وابن قيم الجوزية، يعلق على توفيق المعتزلة بين قوانين العقل وحقائق النص بأن «فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأى على الوحى، والهوى على العقل» «5» .
والحق أن قضية الإعجاز قد استفادت، من مبدأ التوسع المجازى عند المعتزلة وبخاصة في المجال البلاغى، وهذه جهود الجاحظ والقاضى عبد الجبار والزمخشرى تشهد بذلك. وقد أفرد الزمخشرى، كتاب «أساس البلاغة» للتحقيق العملى بأن معظم اللغة مجاز، فالكتاب خادم لقضية الاعجاز من وجهها الاعتزالى،
(1) نفس المصدر- 1/ 9.
(2) نفس المصدر- 1/ 153.
(3) السيوطى- المزهر- 1/ 207 - 210.
(4) الجرجانى- الأسرار- 314.
(5) ابن قيم الجوزية- إعلام الموقعين- 1/ 78 ط الشيخ فرج اللّه الكردى مطبعة النيل بمصر.