وَمِنْهَا؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ, وَمَعْقُولٌ أَنَّ مَنْ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُقْسِمُ بِحَيَاةِ أَكْرَمِ الأَحِبَّاءِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَصَّ اللهُ نَبِيَّنَا صَلى الله عَلَيه وَسَلم مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ, بِأَنْ أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ, فَقَالَ: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} بِانَ أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ, وَإِقْسَامُهُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِنِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَدْخُلُ فِي عِدَادِهِ، كَذَلِكَ إِقْسَامُهُ بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ صَلى الله عَلَيه وَسَلم يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَدْخُلُ فِي عِدَادِهِ، وَمِنْهَا؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَمَعَ لَهُ بَيْنَ إِنْزَالِ الْمَلَكِ عَلَيْهِ وَإِصْعَادِهِ إِلَى مَسَاكِنِ الْمَلاَئِكَةِ, وَبَيْنَ إِسْمَاعِهِ كَلاَمِ الْمَلَكِ، وَإِرَاءَتِهِ إِيَّاهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلْقَهُ اللهُ عَلَيْهَا, وَجَمْعَ لَهُ بَيْنَ إِخْبَارِهِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِطْلاَعِهِ عَلَيْهِمَا فَصَارَ الْعِلْمُ وَاقِعًا بِالْعَالَمَيْنِ, دَارِ التَّكْلِيفِ وَدَارِ الْجَزَاءِ عَيَانًا, وَبَسَطَ الْكَلاَمَ فِيهِ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مِعْرَاجِ النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيه وَسَلم، وَهِيَ فِي الْحَادِي عَشَرَ, وَالثَّانِي عَشَرَ مِنْ كِتَابِ دَلاَئِلِ النُّبُوَّةِ.
وَمِنْهَا؛ أَنَّ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ كَرَامَةً لَهُ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لاَ يَنْزِلْ عَلَيْهِ, وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَيَتَجَاوَزُ مُكَالَمَتَهُ إِلَى مُقَاتلةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ حَتَّى يُظْفِرَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ لاَ يَكُونُ مِنَ الْمَلَكِ إِلاَّ إِبْلاَغُ الرِّسَالَةِ إِيَّاهُ, ثُمَّ الِانْصِرَافُ عَنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ إِلاَّ لِنَبِيِّنَا صَلى الله عَلَيه وَسَلم, فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ الأَنْبِيَاءِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم, وَقَدْ ذَكَرْنَا نُزُولَ الْمَلاَئِكَةِ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي كِتَابِ دَلاَئِلِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ مَذْكُورٌ، فَإِنْ عُورِضَ هَذَا بِسُجُودِ الْمَلاَئِكَةِ لِآدَمَ صَلى الله عَلَيه وَسَلم، فَالسُّجُودُ كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ, وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي: