فهرس الكتاب
واعلموا أنَّ اللهَ قد فَرَضَ عليكُم في هذا الشَّهرِ صيامَهُ، وسَنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى إله وسلَّمَ قِيامَهُ، فَصُومُوا نَهَارَهُ، وقُوموا ليلَهُ، فَطُوبى لِمَنْ اجتَهَدَ فيهِ في العبِادةِ، واستَحقَّ مَراتبَ الزِيادةِ والإحسانِ، وَوَيْلٌ، ثُمَّ ويلٌ لِمَنْ أدركَهُ هذا الشَّهرُ المباركُ فَلم يَصمْ، أو صَامَ ولم يقمْ، أو قَامَ وكأنه لم يقمْ، فكم من صائمٍ ليس من صومِهِ إلاَّ العطشُ؟ وكم مِن قائِمٍ ليس من قِيَامِهِ إلا السَّهرُ والطُّغيانُ؟ وتَذَكروا يومَ انشقَّتْ فيهِ السَّماءُ فَصَارتْ وَردَةً كَالدِّهَان، وحُشِرَ كُلُّ مَن على الأرضِ والثَّقَلاَنِ، وجاءَ كُلُّ نفسٍ معه شَاهدان، وَنُشِرَ دَفَتَرُ الأعمالِ والدِّيوانِ، وغَضِبَ الرَّبُّ تعالى غَضَبًا تَرجُفُ مِنهُ الفُؤَادُ، وتُضْرَبُ بِهِ الأكبادُ لم يغضبْ مِثلَهُ في حِينٍ مِن الأحيانِ، وحَاسَبَ على كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرةٍ، وبَسَطَ بينَ أيديَكُم كتابَكُم لا يغَادرُ صغيرةً ولا كبيرةً، وناقَشَكُم بِالسِّرِّ والإعلان، فعند ذلك يَخْجَلُ العاصِي ويَنْدَمُ على المعَاصي، ويتَحسَّرُ على ما اكتَسَبهَ من الضَّلاَلِ والطُّغيَانِ، فكم مِن من شابٍ يُنادي واشباباه؟ وكم من امرأةٍ تُنادي وافضيحتاه؟ وكم مِن شيخٍ يُّنادي وامشيختاه؟ وكم من قائل: واويلاه على ما فَرطَّتُّ في طاعةِ الحليمِ المنَّانِ.