المبحث الثالث:
تميز المرأة العلمي في زمن النبوة وبروز تمكنها في طلبه وأدائه
ما كانت المرأة في عهد النبوة مجرد حافظة أو راوية بدون تمحيص أو فهم، بل كانت متميزة في علمها، متمكنة في أدائها، تعرض ما تلقت على عقلها وقلبها، فإن استغلق عليها أمرًا، أو أشكل عليها فهمًا، لا يهدأ لها بال، حتى تسأل وتستفصل، وفي ذلك يقول محقق كتاب الإجابة للزركشي عن عائشة رضي الله عنها:"كانت كثيرة السؤال للعلم ولا يهدأ لها بال حتى ترضي طمأنينتها وتجلو لنفسها كل خفي مما يحيط بها فقد طرحت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسئلة حول كل ما يمر من موضوعات في الفقه والقرآن الكريم والأخبار والمغيبات وفيما يعرض من أحداث وخطوب .. وهذا شأن المرء ذي الطبيعة العلمية كلما عظم حظه من المعرفة كثر تطلعه إلى ما فوقه أما الجاهل فليس بمعنى أن يسأل فإذا أصاب من المعرفة حظا ما بطريق العرض كان أبعد الناس أن تطلب نفسه مزيدا من العلم" [1] .
وعند التأمل في جوانب التميز في حياة المرأة العلمية في عهد النبوة، يظهر ما يلي:
-المراجعة في طلب العلم:
روى البخاري عن ابن أبي مليكة - رضي الله عنه: أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من حوسب عُذب"قالت عائشة فقلت: أوليس يقول الله تعالى (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) : فقال:"إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك" [2] .
هكذا كانت الفقهية الذكية تستعرض الأدلة وتربط بينها، وبذلك تفوقت ونالت شرف العالمية، ولم يمنعها مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلقيها عنه، أن تراجع وتسأل، لتستوضح وتفهم ما أشكل عليها.
(1) محمد بن بن بهادر الزركشي، الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة، تحقيق: د رفعت فوزي، القاهرة، ط 1، مكتبة الخانجي،1421هـ،2001م، ص4
(2) البخاري، الصحيح، كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، 1/ 51ح103.