وإذا كان المرء ابن بيئته ، فإن هؤلاء المفسرين لما اختلفت بيئاتهم وأعصارهم ، اختلفت تبعا لذلك مشاربهم ، واصطبغت بتلك الميول مصنفاتهم ، وأصبحت كتب التفسير تعكس ثقافة المفسر وتوجهه إلى جانب ثقافة عصره والتيارات السائدة فيه ، بل أصبحت بعض كتب التفسير تحتل مكانة متقدمة بين كتب التفسير الأخرى لما امتزجت به من العلوم العقلية ، ولما فيها من الرأي والاجتهاد ، وليس فقط لما فيها من تفسير وبيان للقرءان الكريم .
ونظرا لامتزاج التفسير بهذه العلوم العقلية من جهة ، وتأثره بالتيارات الفكرية والعقدية من جهة أخرى ، فإن ذلك قد أدى إلى الاختلاف الواضح والصارخ أحيانا في الحكم على هذه المصنفات من التفسير تبعا لاختلاف الموازين والمقاييس التي حكموها في تقويمها ، وبذلك نرى كتبا قد تقدمت ربما كان حقها التأخير ، وكتبا أخرى قد تأخرت وربما كان حقها التقديم .