القول الثالث: قول من قال أن الأسير لا يجوز فيه إلا الفداء أو المن، لقول الله تعالى (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) ، فقالوا آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى تخييره فيهم بين المن والفداء ولا يجوز التعدي إلى غيرهما، وقالوا إن الآية ناسخة لما سواها قاله الضحاك وغيره، روى الثوري عن جويبر عن الضحاك (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) قال نسخها (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) وقال ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى كما قال الله عز وجل، قال أشعث كان الحسن يكره أن يقتل الأسير ويتلو (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) ، وقال الحسن أيضا في الآية تقديم وتأخير فكأنه قال فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أزوارها، ثم قال حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله ولكنه بالخيار في ثلاثة منازل إما أن يمن أو يفادي أو يسترق، وهذا القول مردود لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف هذه الآية بعد نزولها، ولو سلمنا بقوة هذا القول فإنه ليس فيه حجة علينا، لأن الحرب لم تضع أوزارها، ولا زالت رحاها دائرة، فلا حجة لأصحاب هذا القول علينا.
القول الرابع: قول من قال لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره، وهو قول سعيد بن جبير.