الصفحة 22 من 27

يريد ان الناس كلهم اذا اخصبوا اعداء لكم كبكر بن وائل [1] فلا يمكن ان ينطبق كلام الاصمعي وابو الحسن الماوردي على هذا النوع من التعمية التي ابعدت خطر الاعداء في زمن تكاد ان تقتصر وسائل الاتصال على عدد ضئيل منها لكنه لاشك يمثل خير تمثيل تلك الابيات التي نظمها شعراء ولم يلتفتوا الى جمال المعنى وجودة التعبير ناهيك عن الاثر التي تتركه في نفس سامعها كقول احدهم:

اكلتُ دجاجتانِ وبطتانِ ... كما ركب المهلبُ بغلتانِ [2]

اراد به دجاج رجل تان, وكذا البواقي. وقول الآخر:

ورأيتُ عبدَ اللهِ يضربُ خالدٌ ... وابا عميرة بالمدينة يضربُ [3]

والاشكال في البيت في موضعين الاول: يضرب خالد فالمفروض ان ينصب لفظ (خالد) على المفعولية لفاعل عبد الله المستتر في (يضرب) والجواب ان الجملة هي: رايت عبد الله يضربه خالدٌ, والاشكال الثاني في قوله (ابا عميرة) برفع لفظ عميرة, ويفترض ان يكون اللفظ مجرورا باضافة (ابا) اليه, والجواب ان المقصود بـ (ابا) ليس الاسم بل هو فعل بمعنى امتنع: فتكون الجملة هكذا: رايت عبدَ الله يضربه خالدٌ, وامتنع عميرةُ ان يضرب بالمدينة.

فهذه الابيات وامثالها وان انطوت على مفهوم المعمى من حيث معالجة السامع او القارئ لها ومحاولته حل ما ظاهره اشكالا نحويا الا انها تخلو من المعاني التي وجد لها الشعر من البلاغة في المعاني والقدرة على التعبير عن ما يختلج في داخل الانسان من احاسيس مختلفة وقد وضعت الكثير من المصنفات في هذا النوع من الالغاز

(1) (الملاحن, ابن دريد, 17

(2) الافصاح365, والغاز ابن هشام57.

(3) كتاب الانتخاب لكشف الابيات المشكلة الاعراب 620.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت