الصفحة 122 من 162

والمتأمل في القرآن الكريم يجد في كل سوره وآياته دعوة إلى توحيد الله تعالى لأن القرآن إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، أو أمر بأنواع من العبادات، أو نهي عن المخالفات، فهذا هو توحيد الإلهية والعبادة وهو مستلزم للنوعين الأولين، متضمن لهما أيضًا.

وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من الوبال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.

ولما كان التوحيد بهذه المنزلة من الدين كان حري بكل ذي لب أن يجعل تحقيقه هو غاية مراده ولو خسر الدنيا بكل ما فيها.

واعلموا أن الشرك فشا في الأمة، واضمحل التوحيد في مفهوم الناس من أمد بعيد، وأصبح كثير منهم لا يعرفون من الدين إلا ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، وذلك لأسباب لا تخفى عليكم، فاجعلوا أول جهادكم جهاد الشرك، وإخراجه من القلوب، وغرس التوحيد في مكانه، فمن عاش بعد ذلك عاش بخير، وإن مات فهو إلى الخير بإذن الله.

والشرك بالله هو أعظم الذنوب، وأنكر المنكرات، وأظلم الظلم، وأقبح معصية عصي الله بها، ولذلك فإن الله لا يغفره، ولا يقبل معه عدل ولا صرف يوم القيامة، وصاحبه خالد مخلد في النار أبدًا. وهو أخفى في هذه الأمة من دبيب نملة سوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل. أعاذنا الله وإياكم من الشرك صغيره وكبيره، ظاهره وخفيه، قليله وكثيره.

وهو سبب الذل والخسران في هذه الدنيا، والحرمان والوبال في يوم المعاد، وصوره متعددة، وأشكاله متنوعه، لا يتسع المجال لبيانها. وهذه الصور تختلف من زمان لزمان ومن مكان لآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت