الصفحة 103 من 117

أولًا: ليعلم أن حماية الدين وأهله أعظم ما يقوم به المجاهد لإعلاء كلمة الله، ولقد جاءنا ما لا يدع مجالًا للشك، بجواز بل فضل فداء المجاهد لدينه وإخوانه بنفسه، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد احتمى بالصحابة يوم أحد ولم ينكر ذلك.

ثانيًا: لو كان في قتل النفس للدين أي محظور لما أثنى الشارع على هذا الفعل كطفل المرأة من أصحاب الأخدود، وما إنطاق الطفل إلا آية لبيان فضل هذا الفعل، وهنا لا يقال هذا شرع من قبلنا وليس بشرع لنا، لأن شرعنا أثنى على هذا الفعل وأتى به في معرض المدح والإقرار.

ثالثًا: ما رواه البيهقي في"السنن الكبرى" [9/ 100] ، قال: قال الشافعي رضي الله عنه: (تخلف رجل من الأنصار عن أصحاب بئر معونة، فرأى الطير عكوفًا على مقتلة أصحابه، فقال لعمرو بن أمية؛"سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابنا"، ففعل، فقتل، فرجع عمرو بن أمية، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولًا حسنًا، ويقال: قال لعمرو:"فهلا تقدمت؟") .

والشاهد قوله: (سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني) ، أي ليس له هدف النكاية بالقوم ولا الدفاع عن أصحابه بل مجرد القتل في سبيل الله، وهذا واضح من قوله"سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني"، ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم فعله هذا بل قال فيه قولًا حسنًا، بل قال لعمرو (فهلا تقدمت؟) .

رابعًا: ما رواه الحاكم في مستدركه وقال: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)

والشاهد: ترغيب الإسلام في إزهاق الروح من أجل كلمة الحق التي أمر الله بها حيث إن المتقدم للسلطان يعلم مسبقًا أن النتيجة بعد قول كلمة الحق القتل، إذًا هو معين على قتل نفسه ولكن لمصلحة الدين وهو سبب مشروع ومرغب فيه.

خامسًا: في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: (على الموت) .

والشاهد: هنا أن المبايعة على الموت في سبيل الله ونصرة الدين الذي من محصلته النكاية بالعدو، وليس على النكاية بالعدو وإن لم يكن فلا مبايعة، حيث لا يقال أن الجهاد في سبيل الله ناتج عن النكاية بالعدو بل العكس.

سادسًا: ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه [2/ 338] عند ذكر ما حدث في معركة اليرموك ولما طال القتال قال: (قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ:"قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم"- أي من الروم - ثم نادى من يبايع على الموت، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا وقتلوا، إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور) .

قال: (وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء، ويقول:"كلا! زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد) ."

وروى ابن المبارك في كتاب"الجهاد" [1/ 88 [والبيهقي في سننه [9/ 44] عن ثابت؛ أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجل يوم كذا، فقال له خالد بن الوليد: (لا تفعل فإن قتلك على المسلمين شديد) ، فقال: (خل عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فمشى حتى قتل.

والشاهد: هنا المبايعة على الموت، وليس النكاية بالعدو، بل المقصد الأول الاستشهاد في سبيل الله الذي من محصلته النكاية بالعدو.

سابعًا: ما رواه البيهقي في سننه الكبرى [ك44] وغيره، قال: (وفي يوم اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي كان يعرف بحديقة الرحمن أو الموت، قال البراء ابن مالك لأصحابه:"ضعوني في الجفنة - وهي ترس من جلد كانت توضع به الحجارة وتلقى على العدو - وألقوني"، فألقوه عليهم فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب وجرح يومئذ بضعًا وثمانين جرحًا) ، حتى فتح الباب للمسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت