الصفحة 104 من 117

وهنا لطيفة يحسن التنبيه عليها؛ ألا وهي جلوس البراء بنفسه في الجفنة، أي مشاركته مشاركة مباشرة في هلاك نفسه، لكي لا يقال أن القاتل لنفسه خوف إفشاء الأسرار باشر قتل نفسه بنفسه والبراء ليس كذلك.

بل يضاف إلى ذلك أن أصحابه عاونوه على ذلك، والمتسبب في قتل النفس بقصد القتل مثل المباشر لقتلها، كما أن المتسبب في قتل غيره بقصد القتل مساو لقتله في أحكام الدنيا، حتى أن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة رتبوا على من قتل غيره بالتسبب بقصد القتل القصاص من المتسبب كما يقتص من المباشر للقتل، وإن لم يكن بقصد فالدية، وخالف في ذلك الحنفية.

ثامنًا: ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه [5/ 194] أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما اصطرع يوم الجمل مع الأشتر النخعي، واختلفا ضربتين، ولما رأى عبد الله أن الأشتر سينجو منه، قال كلمته المشهورة: (اقتلوني ومالكًا) ، قال الشعبي: (إن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير: اقتلوني والأشتر وكانت للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، ثم ما زال يضطرب في يد ابن الزبير حتى أفلت منه) .

وفي طلب الزبير رضي الله عنه من أصحابه أن يقتلوه مع الأشتر دليل على جواز قتل النفس لمصلحة الدين إذا اقتضى الحال ذلك، وإلا لما تجرأ الزبير رضي الله عنه على طلبه هذا.

تاسعًا: وفي قصة أصحاب الأخدود دلالة على أن الغلام عندما أمر بقتل نفسه فداءً للدين أن ذلك أمر مشروع ولم يسم منتحرًا. وهنا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر) أهـ

والغلام أيضًا لم يوح إليه بفعله ذلك، ولم يكن يعلم النتيجة لفعله مسبقًا، وهذا في نظري القاصر من أقوى الأدلة على جواز مسألتنا آنفة الذكر، بل من فعلَ ذلك فهو من الشهداء بمشيئة الله تعالى.

عاشرًا: من المقرر عند أهل العلم قاطبة دون استثناء، أن ليس للمسلم استبقاء نفسه بقتل غيره من المؤمنين [1] بحال من الأحوال، فكيف من استبقى نفسه بقتل المئات من المسلمين، وذلك أن المأسور إن أفشى سر المسلمين الذي فيه هلاكهم، فوازعه، ودافعه في ذلك أن يتخلص من العذاب الواقع عليه، ولا يكون ذلك إلا أن يفشي السر، ويهلك المسلمين في سبيل راحته، وهل يقول بذلك جاهل فضلًا عن عالم؟! لذا جاءت عبارة"التاج المهذب"ما يلي: (ولا يجوزله أن يستفدي نفسه بقتل غيره) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) ، قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟! قال: (تكفه عن الظلم فذلك نصرك إياه) [بدائع الصنائع للكاساني [.

وما قال الفقهاء ذلك إلا لعظم حرمة الدم المسلم أن يراق بهذه السهولة، وعند أحمد في (الزهد) والترمذي في سننه والنسائي كذلك وابن ماجة والبيهقي وغيرهم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) ، وفي رواية: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) ، وفي رواية أخرى: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) .

وعن جابر قال لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة استقبلها بوجهه وقال: (أنت حرام ما أعظم حرمتك وأطيب ريحك، وأعظم حرمة عند الله منك المؤمن) [رواه الطبراني في الأوسط [.

حادي عشر: إن هذا المأسور إن لم يقتل نفسه، وأشاع سر المسلمين وأذاعه؛ قتل غيره، وكان في حكم المفرط في إنقاذ حياة غيره، ومن فرط في إنقاذ حياة إنسان، كأن رآه في مهلكة فلم يمد له يد العون مع قدرته على ذلك، فهلك الإنسان، فإنه آثم لا محالة، لوجوب المحافظة على الأنفس.

(1) قيدت بالمؤمنين لأن له قتل المرتد و الكافر ليستبقي نفسه مع الخلاف في المعاهد والمستأمن كما هو مدون في كتب الفقه ومشهور حيث بحثها الفقهاء في المضطر إذا لم يجد ما يأكله إلا طعام كافر معاهد أو مستأمن وهو في نفس ضرورة المؤمن فهل له أكل طعامه المترتب عليه موت الكافر كما بحثوها في السفينة الموشكة على الغرق ولا تنجو غالبًا إلا أن يلقى منها أحد ركابها، فمع اتفاقهم في عدم جواز إلقاء المسلم، إلا ما نقل عن الدسوقي المالكي عن اللخمي من جواز ذلك بالقرعة، واختلافهم المشهور في الكافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت