من ذلك يتضح مدى اليقظة التي كان يتمتع بها كل من خباب وفاطمة، والقدرة على اغتنام الفرص، لكسب العدو، وكان نتاج ذلك أن أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه.
-جوانب الحماية في الخروج إلى الطائف:
خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى الطائف ماشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا، معه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجبه إليه واحدة منها، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى ثلاثة أخوة من رؤساء ثقيف، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونُصرة الإسلام، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسله. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي أن أكلمك. فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقال لهم: إذ فعلتم فاكتموا عني.
فلم يسمعوا له، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فوقفوا له صفين يسبونه، ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء حتى ألجأوه إلى حائط -بستان- لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما رأوه تحركتْ له رَحِمَهُما، فَدَعَوَا غلامًا لهما نصرانيًا، يقال له عَدَّاس، فقالا له: خذ قِطْفًا من هذا العنب، فضعْه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عَدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم قال له: كُل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه يدَهُ قال: (بسم الله) ، ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ومِن أي البلاد أنت يا عَدّاس؟ وما دينك؟) قال: نصراني وأنا رجل من أهل نِينَوَى [1] ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟) قال له: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي) ، فأكبَّ عدَّاس ُعلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يُقبَّل رأسه ويديْه وقَدَميْه.
ورجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مكة، حتى إذا ما دنا منها، مكث بحراء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فاعتذر، ثم إلى سهيل بن عمرو فاعتذر، ثم إلى المطعم بن عدي فأجاره، ودخل مكة في جواره [2] .
نلمح من هذا النص، جوانب الحيطة والحذر الآتية:
ـ اختيار النبي صلى الله عليه و سلم للطائف، كان اختيارًا مبنيًا على أسس أمنية هامة، فكون الطائف قريبة من مكة، يجعل الوصول إليها سهلًا قليل المخاطر، كما أن وجود خؤولة له فيها ربما ضمن له جانبًا من الحماية وفق أعراف الجاهلية، وقرب ديار بني سعد، ربما أعانه على السير، لأنهم أخواله من الرضاعة، فلربما يكونون مأموني الجانب.
ـ خروج الرسول صلى الله عليه و سلم ماشيًا، يعد أيضًا تصرفًا حكيمًا، فعندما تراه قريش على هذه الحالة ماشيًا على قدميه، لا يخطر ببالها إطلاقًا أنه ينوي الخروج من مكة، أما لو خرج راكبًا فذلك مما يثير الشبهة والشكوك، وأنه ينوي الخروج والسفر إلى جهة ما، مما قد يعرضه للمنع من الخروج من قِبَل قريش، ولكن خروجه ماشيًا ضمن له مغادرة مكة دون اعتراض من أحد.
ـ واختيار الرسول صلى الله عليه و سلم زيدًا كي يرافقه في رحلته، فيه جوانب أمنية، فزيد هو ابن رسول صلى الله عليه و سلم بالتبني، فإذا رآه معه أحد، لا يثير ذلك أي نوع من الشك، لقوة الصلة بينهما، كما أنه صلى الله عليه و سلم عرف زيدًا عن قرب، فعلم فيه الإخلاص والأمانة، والصدق، والوفاء، فهو إذن مأمون الجانب، فلا يفشي سرًا، ويعتمد عليه في الصحبة، وهذا ما ظهر عندما كان يقي النبي صلى الله عليه و سلم الحجارة بنفسه، حتى أصيب بشجاج في رأسه.
ـ اتصاله صلى الله عليه و سلم برؤساء ثقيف قبل غيرهم، حين دخوله إلى الطائف، تصرف سليم، يتطلبه الموقف، وذلك لأن الأمر أمر نصر وتأييد، وهذا ما لا يتأتى إلا من سادات القوم لا من عوامهم، فإذا وافق هؤلاء كان الآخرون تبعًا لهم، لذا بدأ بهم الرسول صلى الله عليه و سلم دون غيرهم.
(1) نينَوى: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح النون والواو، بوزن طيطَوى، وهي قرية يونس بن متى عليه السلام، بالموصل (راجع معجم البلدان لياقوت الحموي) .
(2) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 419، وصحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، ج 1 ص 458، وصحيح مسلم، باب ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، ج 2 ص 109، والبداية والنهاية لابن كثير، ج 1 ص 134.