الصفحة 10 من 117

الغضب لدى سيدنا عمر، وبالتالي تخف وطأة العقاب على سعيد وفاطمة، وهذا ما تحقق، فعندما رأى سيدنا عمر الدم ينزل من وجه أخته، تحركت فيه العاطفة، ورقّ قلبه، فكان ذلك من أسباب إسلامه.

-الحس والحذر لدى خَبَّاب وسعيد وفاطمة رضي الله عنهم:

حينما سار سيدنا عمر إلى منزل ابن عمه سعيد، كان بداخل المنزل سعيد وخباب بن الأرتّ وفاطمة زوج سعيد، فلمّا سمعوا صوت عمر، تغيب خباب في مخدع [1] لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة [2] ؟ قالا: ماعدا حديث تحدثناه بيننا [3] .. وهنا يمكن أن نلمح ما يلي:

أولًا: سرعة وسلامة التصرف حيال الطوارئ:

سرعة التصرف وعدم الارتباك من الأمور الهامة والضرورية، لتفادي الحالات الطارئة، التي قد يتعرض لها أهل الدعوة، فمتى ما كان التصرف سليمًا وسريعًا، أمكن تفادي الخطر، وكانت النتائج إيجابية غالبًا.

لذا كان تصرف المجموعة الدعوية المكونة من سعيد، وخباب، وفاطمة، سريعًا وسليمًا، حيث تغيب خباب في المخدع، وأخفت فاطمة الصحيفة، وتصدى سعيد لمقابلته وفتح الباب له، وذلك عندما علموا أن القادم عمر، المعروف بشدته ضد الدعوة والدعاة.

ثانيًا: إخفاء الأثر من العدو:

إخفاء الأثر من العدو، أمر لابد منه، فالأثر كالخيط والدليل الذي يقود الأعداء إلى مبتغاهم، لذا يجب إخفاء وإزالة أي أثر يمت إلى الدعوة، أو المدعوين بصلة، وهذا ما فعلته فاطمة رضي الله عنها حين جعلت الصحيفة تحت فخذها، وهو موضع لا يتطرق إليه الشك، وبالتالي تكون قد أخفت وثيقة خطيرة عن أعين عمر بن الخطاب، بالرغم من أن عمر اطلع عليها فيما بعد، ولكن العبرة بالتصرف السليم في إخفاء الأثر.

رابعًا: خفض الصوت أثناء الاجتماع:

لقد كان سيدنا خباب يقرئ سعيدًا وفاطمة القرآن بصوت منخفض، لدرجة أن الذي بالباب لم يستطع أن يتبينه، حيث وصفه سيدنا عمر (بالهينمة) ­وهي صوت كلام لا يفهم­ وهذا تصرف أمني ضروري.

خامسًا: التعريض والتورية [4] :

عندما سأل سيدنا عمر عن الصوت غير المفهوم، كانت الإجابة بعبارة تحمل في ظاهرها خلاف ما يريده قائلوها، وهذا نوع من التورية، فهم لم ينكروا أن هناك صوتًا، بل اعترفوا بأنه حديث دار بينهم، وهو حس أمني عال لسعيد وفاطمة، فعادة الحديث الذي يدور بين اثنين يكون بصوت منخفض، لا يميزه من يكون على مقربة منهم، لذا يمكن أن يوصف بالهينمة. فهم لم ينكروا، وإلا لتأكد لعمر أنهم يكذبون ويخفون عنه الحقيقة، وذلك لسماعه الصوت، لكنهم اعترفوا دون أن يصرحوا بما في أنفسهم، وهو نوع من التعريض، المطلوب في مثل هذا الموقف.

سادسًا: استغلال الفرصة لكسب العدو:

ويظهر ذلك عندما طلب سيدنا عمر من فاطمة أن تعطيه الصحيفة، فاستغلت فاطمة الفرصة السانحة، فطلبت منه أن يغتسل، ففعل، ثم قرأ، فخشع قلبه، وهنا خرج سيدنا خباب بعد أن سمع ثناء سيدنا عمر على القرآن، فاستغل ذلك الموقف، فقال: أبشر يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام) ، فالله الله يا عمر [5] .

(1) المخدع: البيت الصغير يكون داخل البيت الكبير.

(2) الهينمة: صوت كلام لا يُفهم.

(3) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 344، والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 120.

(4) التعريض: إيهام السامع بكلمة أو عبارة تفيد من ظاهرها خلاف ما يريده قائلها. والتورية: الستر، يقال: وَرَيْت الخبر أوريته تورية، إذا سترته وأظهرت غيره (لسان العرب مادة وري) .

(5) انظر السيرة الحلبية لابن برهان الدين، ج 1 ص 36، وابن هشام، ج 1 ص 344، والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 121، والسيرة النبوية للندوي ص 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت