(وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب [1] ، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم) . وقال ابن إسحاق: (فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤدون الصلاة ... ) [2] .
مما سبق يتضح أن الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يؤدون الصلاة جماعة في شكل خلايا صغيرة متفرقة في شعاب مكة.
-الحس والحذر لدى نعيم بن عبد الله رضي الله عنه:
حين خرج سيدنا عمر متوشحًا سيفه، لقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدًا هذا الصابئ، الذي فرّق أمر قريش، سفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله. قال له نعيم: والله قد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: خَتَنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدًا على دينه [3] .
والمتأمل في هذا النص، يمكنه الخروج بالملاحظات الآتية:
أولًا: إخفاء الشخصية عن العدو:
لم يكن سيدنا عمر رضي الله عنه يعلم بإسلام نعيم، لأنه كان يخفي إسلامه [4] ، فحسبه سيدنا عمر مشركًا، مما سهل مهمة نعيم .. وإمعانًا في إخفاء الشخصية، قال سيدنا نعيم: محمدًا ولم يقل رسول الله، مع العلم أن الصحابة لا ينادون الرسول صلى الله عليه و سلم باسمه، وإنما يقولون رسول الله، ونبي الله، ولكن المقام هنا يتطلب من نعيم أن يقول محمدًا، كي يطمئن له عمر، أكثر ويحدثه بما ينوي عمله، وهذا ما تم فعلًا.
ثانيًا: الحصول على المعلومة:
استوقف [5] سيدنا نعيم سيدنا عمر لما رآه متوشحًا سيفه، وسأله عن وجهته بقوله: أين تريد يا عمر؟ فحصل سيدنا نعيم من ثمّ على معلومة في غاية الخطورة، تتمثل في نية عمر قتل قائد الدعوة. فهذا تصرف في غاية الحكمة والذكاء، إذ استطاع سيدنا نعيم الحصول على هذه المعلومة التي جعلته يتخذ أساليب أمنية دقيقة وعاجلة كما سنرى.
ثالثًا: درء خطر العدو وصرفه عن هدفه:
بعد أن علم نعيم نية عمر رضي الله عنهما، عمل على درء هذا الخطر، فاستخدم معه أسلوب الترهيب، حيث هدده، إن هو أقدم على قتل محمد، فإنه سوف يُقتل هو أيضًا من قِبل بني عبد مناف، ولم يكتف سيدنا نعيم بذلك، بل أخبره بأمر لم يستطع سيدنا عمر معه صبرًا، وذلك حين أخبره بإسلام ابن عمه وأخته، فغيَّر عمر رضي الله عنه وجهته مباشرة، وبدل أن يتجه لقتل محمد صلى الله عليه و سلم اتجه نحو بيت أخته. وبذلك يكون سيدنا نعيم رضي الله عنه قد نجح فعلًا في درء خطر العدو، وصرفه عن هدفه الحقيقي، وهذا تصرف في غاية الدقة والإحكام.
رابعًا: التضحية بأفراد من أجل المصلحة العامة:
لا شك أن معرفة سيدنا عمر وعلمه بإسلام أخته وابن عمه يشكل خطورة كبيرة عليهما، ولكن إذا قورنت بخطورة قتل قائد الدعوة، كانت أخف وأقل، لذا حاول سيدنا نعيم أن يضحي بأفراد من أجل المصلحة العامة، فإذا لحق ضرر بسعيد وفاطمة فهو أخف وأهون بكثير مما يمكن أن يلحق بقائد الدعوة. هذا إلى جانب أن سيدنا نعيم راعى الناحية العاطفية التي تربط بين عمر وابن عمه وأخته، فهي يمكن أن تخفف من شدة
(1) الشعاب جمع شعب، وهو الأرض التي بين جبلين.
(2) المرجع السابق، ص 286. والصفا في سيرة المصطفى، ط دار إحياء التراث الإسلامي، قطر، د. محمد بنهاني الخباز، الطبعة الأولى، 1406 هـ، ص 126.
(3) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 344.
(4) انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 343.
(5) الاستيقاف: إجراء أمني لمنع الجريمة قبل وقوعها، وهو يقوم على حالة اشتباه وُضع شخص فيها طواعية واختيارًا، مما يخلق شعور الريبة في نفس رجل الأمن الذي يجد من واجبه فحص هذه الحالة باعتبارها تشكل خطرًا على الأمن يجب تداركه، حتى لا يتحول هذا الخطر إلى ضرر. انظر المجلة العربية للدراسات الأمنية، المجلد الرابع، العدد الثامن، 1409 هـ، ص 112.