لعلّنا نلاحظ روعة التعبير القرآني، عن حالة الهارب المهاجر في سبيل الله، الذي يَحْذَرُ العدوَّ ويتيقّظ له: ( .. خَائِفًا يَتَرَقَّبُ .. ) ، ومن ثم الاتكال على الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الحامي، والملاذ الآمن: قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .. )! ..
ويعود موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بعد سنين طويلة، يحمل الدعوة في قلبه ويبشّر بها بلسانه، ويفديها بروحه، ويرفع لواءها بشجاعةٍ لا مثيل لها .. ويعود الصراع مع الباطل إلى ذروته، وينوي الطاغية فرعون قتل موسى عليه السلام، وهو شأن كل الطواغيت الذين يفلسون من كل حجّةٍ وبرهان، ولا يجدون إلا البطش وسيلةً لإسكات صوت الحق: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) .
ويُظهِر لنا القرآن الكريم الوجه الأمني للصراع بكل وضوح: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ .. ) (غافر: من الآية 28) .. ثم يقول الرجل المؤمن عن موسى عليه السلام: ( .. وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: من الآية 28) .. ولعلّنا نلاحظ التعبير القرآني الدقيق في الدلالة على الحالة الأمنية في الصراع: ( .. يَكْتُمُ إِيمَانَهُ .. ) ، فالرجل المؤمن بالله عز وجل وبدعوة نبيّه موسى عليه السلام .. في الحقيقة، هو من مؤيدي فرعون في الظاهر وحسب: ( .. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ .. ) ! .. هذا الرجل الذي يخفي إيمانه، يخترق القوم ويعلم بكل ما يدور بينهم، ثم يعمل على تخذيلهم عن موسى عليه السلام، وعن أنصار الحق، وبأسلوبٍ أمنيٍ بارعٍ لا يتقنه إلا أصحاب القضية المنافحون عنها، الذين يبذلون ما يستطيعون من طاقاتهم في سبيل حماية دعوتهم، هذه الحماية التي تكفل الاستمرار في السير على الطريق الشاقة، لبلوغ الهدف الكبير! ..
فالسرّية، والكتمان، والاختراق، والرصد، والتنسيق مع القيادة وأولي الأمر لحماية الدعوة وتأمين سيرها الحثيث نحو أهدافها، .. كل ذلك من أهم الأساليب الأمنية التي ينبغي أن يتسلّح بها أبناء الحركة الإسلامية، فهل نعقل؟! .. وهل نفعل؟! ..
وبفضل هذا الإتقان في استيعاب استحقاقات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل بموجبها بأقصى طاقةٍ ممكنة .. ينصر الله عزّ وجلّ المؤمنين به، العاملين في سبيله .. وهكذا نصر الله سبحانه جل وعلا موسى عليه السلام على الطغيان والظلم والجبروت: (فَأَخَذْنَاهُ [أي فرعون] وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40) .. وانتهت بذلك قصة صراعٍ مريرٍ طاحنةٍ ضاريةٍ .. بين الحق والباطل، كان ركنه الأساس صراعًا أمنيًا .. فلنتأمّل! [.[1]
-جوانب الحماية في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم للأقربين:
إن أول من دعاه الرسول صلى الله عليه و سلم زوجه السيدة خديجة، وعليّ بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وحاضنته أم أيمن [2] ، رضي الله عنهم أجمعين .. ولا يخفى ما في ذلك من جوانب الحماية، فهؤلاء النفر الكريم، يجدهم جميعًا تضمهم أسرة واحدة، هي أسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء يكتمون السر ولا يفشونه، كما أنهم يساعدونه في تحمل أعباء الدعوة، ويخففون عنه وطأة العناء.
لقد ضمن الرسول صلى الله عليه و سلم بذلك جانب أسرته، إذ لم يكن داخلها من لا يؤمن بالدعوة، فوجود أي فرد غير مؤمن بالدعوة داخل الأسرة، قد يسرب معلومات عن تحركات الداعية، ولقاءاته، ومن يترددون عليه، وقد يكون البيت موضع الوثائق الخاصة بالدعوة، أو تلك التي تحوي خططًا مستقبلية للدعوة، فأي تسرب لها سيؤدي إلى الضرر البالغ بالدعوة، والمدعوين، لذا حرص الرسول صلى الله عليه و سلم على دعوة وإقناع كل أفراد أسرته أولًا.
-أداء الصلاة في شكل جماعات صغيرة:
كان النبي صلى الله عليه و سلم وصحبه يؤدون الصلاة في شكل جماعات صغيرة متفرقة، قال ابن إسحاق: (إن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج إلى شِعاب مكة وخرج معه عليُّ بن أبي طالب وفي رواية زوجه خديجة مستخفيًا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها) [3] . فهذه جماعة من جماعات الدعوة المنتشرة وقتها، تضم قائد الدعوة، وابن عمه، وزوجه لتأدية شعيرة الصلاة.
(1) "الأمن والقرآن الكريم (تأصيل شرعي) "بقلم محمد بسام يوسف.
(2) صحيح البخاري، باب بدء الوحي، ج 1 ص 2 - 3.
(3) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 246.