موسى عليه السّلام: حربٌ أمنيةٌ ضاريةٌ مع الطّغاة:
لقد بدأ الصراع بوجهٍ أمنيٍ واضح، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا منه دروسًا أمنيةً بالغة الدقّة والدلالة: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7) .. فالله عزّ وجلّ أراد أن يكون موسى عليه السلام حامل لواء الحق، وزعيم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فَحَمَاه منذ الولادة بأسلوبٍ أمنيٍ نفّذته أم موسى، بعد أن ألهمها الله أن تفعل ما تفعل لحماية وليدها الحاليّ، وزعيم الدعوة الربانية في المستقبل! .. وكانت كيفية الحماية لا تخلو من الدقّة والمخاطرة في نفس الوقت: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه:39) ..
والله جلّ وعلا الذي ألهم أم موسى تنفيذ الشق الأول من خطة الحماية. سخّر امرأة فرعون لتنفيذ الشق الآخر من هذه الخطة: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9) .
وكان من تدبير الله عز وجل وعظيم حكمته، أن يُرَبّى موسى عليه السلام في حِجْر فرعون، فكان هلاكه وزوال طغيانه على يديه عليه الصلاة والسلام! .. ولعلّنا نلمس كم يحتاج تنفيذ هذه الخطة الأمنية الدقيقة إلى الصبر والحنكة والحكمة والسرّية والحسّ الأمني المرهف .. أليست هي الخطة التي بموجبها تنبت بذرة الحق في أرض الباطل وتربته؟! ..
وتستمر الخطة الأمنية الرائعة، فترسل أم موسى ابنتها لتكون عَينًا ترصد تصرفات فرعون وأسرته، وتَتّبِع أثر أخيها موسى وتتقصّى أخباره: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ .. ) (القصص: من الآية 11) .. فماذا فعلت أخت موسى عليه الصلاة والسلام؟! .. هل تصرّفت بما يلفت الانتباه إليها وإلى خطّتها ومبتغاها؟! ..
( .. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص: من الآية 11) .. نعم، فقد احتالت على الظرف المحيط، فاستطاعت رؤية أخيها بمخاتلةٍ ذكيةٍ من غير أن يشعر بها أحد من الأعداء أو أن يشعر أحد من الظالمين أنها أخت موسى، وأنها تقوم بالاستطلاع ورصد أخباره بكل دقة! ..
وعندما منع الله موسى أن يرضع من المرضعات: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع .. ) (القصص: من الآية 12) .. عندئذٍ تدخلت الأخت في الظرف المناسب والوقت المناسب: ( .. فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) ؟! .. (القصص: من الآية 12) .. يقول ابن عباس: (لما قالت أخته: وهم له ناصحون، أي: مشفِقون، شكّوا في أمرها وقالوا: وما يدريكِ بنصحهم وشفقتهم عليه؟! .. فقالت: لرغبتهم في سرور الملك! .. فأطلقوها) ! ..
وهكذا فابن الدعوة الإسلامية حصيف ذكي، يعرف كيف يتصرف في كل المواقف، ويعرف كيف يخرج من المآزق بكل دهاءٍ وحنكةٍ .. كما فعلت أخت موسى عليه السلام! ..
وكان تأييد الله عز وجل حاضرًا بأبهى صوره وأبلغ آثاره: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13) .. فلما قَبِلَ موسى ثديها، أحسنت إليها امرأة فرعون وأَجْرَتْ عليها النفقة والكساوي -كما قال ابن عباس- .. فكانت تُرضع ولدها وتأخذ عليه الأجر من عدوّه! ..
ولما عرف موسى الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون من عبادة غير الله عزّ وجلّ، ففشى أمره بين القوم، فأخافوه، فخاف منهم .. وهذا ما أدى إلى اتّباعه أسلوبًا أمنيًا صرفًا في التعامل مع الباطل وأهله ليحمي نفسه ويحمي دعوته: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا .. ) (القصص: من الآية 15) .. أي أنه عليه السلام كان يدخل مدينة مصر الكبرى مستخفيًا: (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ)
ويُمتَحن عليه السلام امتحانًا آخر، فيقتل رجلًا من قوم فرعون بلا قصدٍ، وتشتدّ المحنة .. ويلجأ موسى إلى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) .. ثم يتخذ ما يجب عليه من أسباب الحماية والحذر، ويخبره أحد المتعاونين معه من المخلصين له، بسرٍّ خطير، هو تآمر القوم لقتله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) .. وما كان منه عليه السلام إلا أن امتثل لما يقتضيه الظرف من حوله، بهدف حماية نفسه، وحماية دعوته إلى الله عزّ وجلّ: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21) .