الصفحة 6 من 117

( .. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) (الكهف: من الآية 13) .

إنهم حملة اللواء إذًا، لواء الإيمان، في وجه الظلم والطغيان الصادر عن أولئك الجبارين الذين حكموا بغير ما أنزل الله، لكن أولئك الفتية الصادقين ثاروا على الظلم والقهر، واستطاعوا بحنكتهم وعقولهم النيّرة أن يتدبّروا أمر حماية أنفسهم، لحماية دعوتهم وإيمانهم، فماذا فعلوا؟!

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (الكهف:10) .. إنّه اللجوء إلى المكان (الآمن) ، وقبل ذلك، الإيمان الصادق بالله عز وجل، وتسخير النفس في سبيل دعوته، فبعد اتخاذ كل أسباب (الحماية والأمن) ، واستكمال شروط التوكّل على الله سبحانه وتعالى .. لجأوا إليه: (ربّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رحمةً، وهيّء لنا مِنْ أمرِنا رَشَدًا) .

بعد كل ذلك .. بماذا قابلهم ربهم العزيز القدير؟! ..

(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ .. ) (الكهف: من الآية 14) .. أي قوّيناهم بالصبر على هجر الأهل والأوطان، لأنهم فعلوا ما عليهم فعله ضمن حدود القدرة البشرية، فأمددناهم بالقدرة الإلهية، حمايةً، ورعايةً، وأمنًا، ورشدًا، ونصرة! ..

هذه الخطة (الأمنية) لم تأتِ من فراغ، إنما كانت ثمرة بحثٍ وحوارٍ بين الفتية، الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله .. إلى أن توصّلوا إلى الحل الأمثل، والقرار الحكيم:

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) (الكهف:16) . ولأنهم كانوا مع الله، ويعيشون لدعوتهم، تيقّنوا أن الله عز وجل هو الذي سيحفظهم، ويُعمي عنهم أعين الجبارين وأنصارهم: ( .. ينْشُر لكُم ربُّكُم من رحمتِهِ، ويهيّء لكُم من أمرِكُم مِرْفَقًا) .

فالله وحده (أولًا وآخرًا) هو الذي يسهّل الأمور، وهو الذي ييسّرها، وهو الذي يحمي ويصون، فَبِقَدَرِهِ وقُدْرَتِهِ يسير كل شيءٍ في هذا الكون! ..

ونام الفتية في مأواهم الجديد (الكهف) مئات السنين:

(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (الكهف:11) .

ثم أيقظهم الله جل وعلا .. وبعد أن أيقظهم، هل تغيّرت حالة (الحذر) في نفوسهم بعد مضي كل تلكم السنين الطويلة؟! ..

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ .. ) .. ( .. قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (الكهف: من الآية 19) .

إنّه (الحذر) ، و (الحيطة) ، و اتخاذ أسباب (الحماية) بكل حزمٍ وصرامة، مع الاستمرار والعمل الدؤوب على تحقيق (أمن) الدعوة من كل مكروه، بذكاءٍ ودهاءٍ لا بد منهما لكل من يريد أن يسير في ركب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى! .. وقد جاءت الكلمات الشريفة في غاية الدقة والدلالة المباشرة، على الحالة الأمنية التي لا تقبل التهاون أو الاسترخاء:

( .. وليتلطّف) ! .. أي ليدقق النظر حتى لا يُعرَف وتُعرَف شخصيته! ثم: ( .. ولا يُشعِرَنَّ بكُم أحدًا) ! .. أي لا يدع أحدًا من الناس كائنًا من كان، أن يعلم بمكانكم، فيكشفه، ثم يكشفكم، ومن بعد ذلك الخطر الأكيد! .. وما هو هذا الخطر الأكيد؟! ..

(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ .. ) ! .. (الكهف: من الآية 20) .. نعم هذه هي حال الطواغيت الجبارين في كل زمانٍ ومكان .. فإن اطّلعوا عليكم، وعلموا بمكانكم وإيمانكم، وبدعوتكم .. فلا سبيل عندهم، ولا وسيلة لديهم، إلا القتل: (يرجُموكُم) ! .. أو .. أو ماذا؟!

( .. أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) ! .. (الكهف: من الآية 20) .. إنه الحل الآخر المرّ، وهو أن يجبروكم على العودة إلى دينهم وكفرهم، بعد كل تلك السنين من الصبر والجهاد والتضحية والمعاناة في سبيل الله عز وجل، وفي سبيل الدعوة التي آمنتم بها وأكرمكم الله بحمل لوائها، وبذلك كله ستخسرون الآخرة، بعد أن خسرتم الدنيا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت