المسلمون خندقا حول المدينة، فكان مفاجأة للمشركين حتى قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
هذه الوقعة لا تدل على نجاح استخبارات النبي صلى الله عليه وسلم التي عرفته بنوايا أعدائه مبكرا فحسب، وإنما تدل على حفظ السر الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص عليه، ويعلم أصحابه بحفظه، وعلى الرغم من أن حفر الخندق استغرق حوالي عشرين يوما في المتوسط إذ كانت كافية جدا لكفار قريش واليهود لكشفه والإعلان عنه.
وفي قصة غزو الصحابة لبني أسد درس آخر في الكتمان حيث أمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروقة، حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم، فباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه، وغنموا منهم الغنائم الكثيرة.
وكذلك في غزوة الأحزاب كتم النبي صلى الله عليه وسلم إسلام نعيم بن مسعود وأمره بكتمه وقال له: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة، فعمل نعيم رضي الله عنه على تفريق كلمة الأحزاب وزوال الثقة بينهم.
ومن كتمانه صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ففي غزوة بني لحيان أظهر أنه يريد الشام ثم اتجه جنوبا حتى يباغتهم ... ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وخرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه رضي الله عنهم، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، فخرج من المدينة فسلك على غراب - جبل بناحية المدينة - على طريقه إلى الشام ثم على محيص ثم على البتراء ثم صفق - عدل وانصرف - ذات اليسار، فخرج على بين - واد قرب المدينة - ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ... حتى نزل على غران وهي منازل بني لحيان.
أخي المجاهد:
الواجب عليك أن تحترس ما استطعت في كتمان سرك في حربك، فإن في ذلك بإذن الله إمضاء تدبيرك، وقطع مكيدة من يكيدك. واكفف لسانك عن فلتة كل منطق، ينكشف به ما تضمر من أمرك أو تخفيه من سرك. واعلم أنه قد يستدل بلحن المنطق على حصون السر ومكنون الضمير، ولاتستهن في إظهار سرّك بصغير لصغره ولا بأعجميّ لعجمته، فربّ سرّ مصون قد أذاعوه واطلعوا عليه.
وأختم بمقولة اللواء الركن محمود شيت خطاب حول الكتمان، حيث يقول: (إن كتمان النبي صلى الله عليه وسلم نياته حتى عن أقرب الناس إليه وكتمان وقت حركته وتعداد جيشه وتنظيمه وتسليحه، هو الذي أدى الفتح القريب) . [1]
(1) "حث المجاهدين الأخيار على حفظ الأسرار وكتمان الأخبار"تأليف؛ أبو عمر عبد البر رئيس اللجنة الإعلامية من إصدارات الجماعة السلفية للدعوة والقتال دار السنة؛ المنطقة الثانية الجزائر.