الصفحة 20 من 117

حفظ أسرار المجالس أمانة كبرى يجب رعايتها، وعدم إفشاء ما يُدار فيها من أمور وأخبار مهمة ربما يصلُ كشفُها إلى الخيانة الكبرى، كما روى البخاري في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، في نقله لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح مكة إلى زعمائها.

-نماذج من أخلاق السلف في المحافظة على الأسرار:

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر حين تَأَيَّمَتْ بنته حفصة رضي الله عنها، قال: (أتيتُ عثمان بن عفان، فَعَرَضْتُ عليه حَفْصَةَ، فقال: سأنظر في أمري. فلبثت لياليَ ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوجَ يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئتَ زَوَّجْتُكَ حفصةَ بنتَ عمرَ، فَصَمَتَ أبو بكرٍ، فلم يرجعْ إليَّ شيئًا، وكنتُ أَوْجَدَ عليهِ مني على عثمانَ، فلبثتُ لياليَ، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكحتُها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لقد وَجَدْتَ عليَّ حينَ عَرَضْتَ عليَّ حفصةَ فلم أرجعْ إليكَ شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجعَ إليكَ فيما عرضتَ عليّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أَنَّ رسول صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكنْ لأفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَبِلْتُهَا) رواه البخاري.

وهذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها تضرب لنا مثالًا في أمانة حفظ السِّر، كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إِنَّا كُنَّا أزواجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عنده جميعًا لم تغادرْ منا واحدة، فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تُخطئ مِشيتَهَا من مِشيةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلما رآها رحَّب، قال: مرحبًا بابنتي. ثم أجلسَها عن يمينه أو عن شماله، ثم سَارَّهَا، فَبَكَت بُكاءً شديدًا، فلما رأى حُزْنَها سَارَّهَا الثانية، فإذا هي تضحك. فقلت لها: - أنا من نسائه - خَصَّك رسول الله بالسِّرِ من بيننا ثم أنت تبكين! فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتُها عَمَّا سَارَّهَا؟ قالت: ما كُنتُ لأفشي على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سِرَّهُ. فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني! قالت: أما الآن فنعم. فأخبرتني قالت: أما حين سارَّني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل عليه السلام كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعمَ السلفُ أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني بالثانية، قال: يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة!) رواه البخاري.

إذن فالمحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا تؤثر في حق الله تعالى أو حق المسلمين، وإلا عُدَّ من الخيانة، وليس حفظ الأسرار هنا من الأمانة. ومن الناس من يفرُطُ أو يفرّط، فلا تفريط فيضيع حق الله في الدعوة ... ولا إفراط فتضيع أرواح الأخوة. [1]

لقد تفشى في المجاهدين عادة عدم كتمان الأسرار العامة والخاصة، وأصبح الحديث عنها عند القريب والبعيد أمرا غير مستنكر، وما نتج عن ذلك من تأذي المجاهدين وأهاليهم وما يحصل للذين يأوون وينصرون. عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود"رواه الطبراني.

الكتمان: هو ضبط النفس ضد دوافع التعبير عما يعرف، وذلك لا يتم إلا بالصبر.

السر: هو كل ما تكتمه وتخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا لدفع ضرر أو لجلب مصلحة، أو تخص به من تثق به دون سواه. وهو ما يكتمه الإنسان في صدره، وجمعه أسرار، والسريرة مثله، وجمعها سرائر.

كتمان السر: هو أن يضبط الكلام من الإنسان عن إظهار ما يضمره مما يضر به إظهاره وإبداؤه قبل وقته. وهو الصبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام.

-الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على حفظ الاسرار:

عرف الرسول عليه الصلاة والسلام أهمية حفظ السر فكتمه في معظم حروبه، حتى عن ألصق الناس به، ولم يصرح لأحد بقصده إلا في غزوة تبوك لبعد الشقة وثقل المؤونة الداعيان للإستعداد ولصعوبة إيصال الأخبار إلى أهل تبوك.

قبل غزوة الخندق التي عبأ فيها المشركون عشرة آلاف مقاتل عدى اليهود لمهاجمة المدينة، كان النبي عليه الصلاة والسلام على علم بنوايا أعدائه من خلال رجال استخباراته في مكة والقبائل العربية، حفر

(1) "المحافظة على الأسرار"بقلم: د. عبد اللطيف الحسين / كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالإحساء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية > مجلة البيان / المحرم 1425هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت