الصفحة 19 من 117

أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليال الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر ابن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق الساحل) صحيح البخاري حديث رقم 3905.

و) ومن ذلك كتمان نعيم بن مسعود لإسلامه حتى أوقع بين الأحزاب وبين قريظة يوم غزوة الأحزاب.

قال ابن إسحاق: (إن نعيما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) البداية والنهاية، ج 4/ 111، وراجع فتح الباري، ج7/ 402.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز للمسلم بل قد يجب في بعض الحالات التشبه بالمشركين في الهدي الظاهر كاللباس ونحوه لمثل هذه المصالح.

فإن السرية أصل من أصول الحرب اتفق عليه الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، ومن هنا أيضا كان التجسس على المسلمين جريمة وكبيرة من الكبائر شرعت فيه العقوبة المغلظة. [[1]

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"فيجب الاتفاق على أن الجماعة لابد لها من أمير أو قيادة، ولابد من توفر عنصر الطاعة، فالقيادة هي التي تحدد للفرد كيفية التحرك، والوقت المناسب للعمل العلني أو السري، فنحن في حرب مفتوحة مع أعدائنا، والحرب خدعة، وهي تستلزم السرية المطلقة في التحرك والتنظيم، ومزيج من السرية والجهرية في الدعوة والاستقطاب. وهنا نذكر بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان) ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يطبق هذه النصيحة والقاعدة الأمنية في حياته كلها، خاصة في غزواته، حيث كان يموه دائمًا على العدو وجهة خروجه وحتى وقت هجومه. [[2] "

] قال تعالى: (( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) )] الإسراء: 34]، سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السرية في جهاده وحياته فقد كان يموه على العدو في غزواته، وهذا أنس - رضي الله عنه - يقول: (أَسَرَّ إِلَيَّ النبي صلى الله عليه وسلم سِرًا فما أخبرتُ به أحدًا بعدهُ، ولقد سألتني أم سُلَيم فما أخبرتُها به) رواه البخاري. وحكي أن رجلًا أَسَرَّ إلى صديق لَهُ حديثًا، ثم قال: (أفهمتَ؟ قال: بل جهلتُ، قال: أحفظتَ؟ قال: بل نسيتُ) ، وهو بهذا يُكَنّي عن نفسه بعدم البوح لأي أحد.

-ومن الأمور التي يجدر التنبيه إليها في هذا الخصوص:

1.كشف السر خيانة صغرى:

ورد في سبب نزول قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [الأنفال: 27] ، أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري رضي الله عنه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى أَنَنْزِل على حكم محمد؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه - أنه الذبح فلا تفعلوا - ثم ندم بعد ذلك وقال: والله! ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله) ، فإن أبا لبابة صلى الله عليه وسلم كان يعلم الحكم في يهود بني قريظة بأنه الذبح! ولكنه أشار بيده إلى حلقه، فكان ذلك منه خيانة لأمانة المجلس).

2.كشف السر خيانة كبرى:

(1) "الدعوة السرية"إعداد اللجنة الشرعية بجماعة الجهاد / مصر.

(2) "الدعوة والتنظيم بين السرية والجهرية"بقلم أبي سعد العاملي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت