1)سِرِّيةُ الدعوةِ: الأصل في دعوة الإسلام الجهر والعلن وذلك لأنها دعوة لعموم الخلق، لقوله تعالى: (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) )] الحجر: 94[. وقد بدأت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم سرية رغم أن الأصل فيها هو الجهر والعلن، وذلك بسبب الضعف الشديد في أول الأمر، وكذلك أتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان لهم أن يأخذوا بهديه في الإسرار والإعلان حسب القوة والقدرة والاستطاعة.
2)استسرار الأفراد بإيمانهم -كتمان الإيمان-: قوله تعالى: (( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) )]غافر: 28 [، وقال تعالى في أصحاب الكهف: (( وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) )] الكهف: 19 [، فالسرية في قوله تعالى ولا يشعرن بكم أحدا . وفي قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اعرض عليَّ الإسلام، فعرضه، فأسلمت مكاني، فقال لي: (يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم) رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 3522.
وكما ترى أن إخفاء الإيمان - وهو ما نعبر عنه بالسرية - جائز ومشروع خاصة حال الخوف من إيذاء الكافرين.
3)السرية في العمل العسكري:
أ) ما رواه البخاري عن كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك قال: (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، وعدوا كثيرا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد) . فقوله: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، يدل على أن الأصل في الأعمال العسكرية أن تكون سرية، وقد رواه أبو داود بلفظ: (وكان يقول الحرب خدعة) ، وهذا الحديث فيه فائدة تتعلق بالسرية، وهي أنه يجوز للأمير أن يخرج بالجيش للغزو ومعظم الجيش لا يعلم جهة الغزو.
وهذه الفائدة مهمة حتى لا يقول أحد من الجنود لا أخرج للغزو حتى أعلم الجهة والعدو. وفي الحديث فائدة أخرى؛ وهي أن إخفاء المعلومات ليس عن العدو فقط بل وعن الصديق أيضا، وليس ذلك عن خيانة ولكن الهدف من ذلك حصر المعلومات في أضيق دائرة ومنع تسربها للعدو ما أمكن، فإن للعدو عيونا وقد يتكلم الصديق.
ب) ومن ذلك أيضا بيعة العقبة مع الأنصار فإنها كانت سرية. فقد روى هذه البيعة ابن كثير حيث قال: (قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا) اهـ البداية والنهاية لابن كثير، ج 3/ 160.
وقال ابن كثير أيضا: (قال البيهقي - بسنده - عن عامر الشعبي قال:"انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم") البداية والنهاية لابن كثير، ج 3/ 163، والحديث رواه أحمد بسنده عن الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري موصولا.
ج) ومن الأدلة على ذلك أيضا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فقد كانت سرية، والأخذ بالسرية والكتمان في قصة الهجرة أشهر من أن نشير إليها، ولكننا نذكر بطرف من هذه القصة كما رواه البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها وفيه قالت: (وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمُر أربعة أشهر) ، قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: (فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أُذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال أبو بكر: فخذ يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت