الصفحة 17 من 117

وقد وردت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) )] التوبة: 5 [. قال القرطبي رحمه الله: ( واقعدوا لهم كل مرصد أي اقعدوا لهم في موضع الغِرَّة حيث يرصدون، وهذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة) اهـ تفسير القرطبي، ج 8/ 73، ط دار الحديث. أما من السنة فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف وأبي رافع وهما من اليهود، قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة، إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته) اهـ فتح الباري ج 7/ 340، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد باب الكذب في الحرب وباب الفتك بأهل الحرب. وقد قال النووي رحمه الله: (قال القاضي عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله - أي كعب - كان غدرا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمر به فضرب عنقه) اهـ صحيح مسلم بشرح النووي، ج 12/ 160.

ويؤيد قتل المحاربين ما ورد في قصة ابن أبي الحقيق وهو يهودي من خيبر وكان قد ذهب إلى مكة وأغرى قريشا بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى حزبوا الأحزاب وكان موقد نار غزوة الأحزاب. فقد روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله) صحيح البخاري، حديث رقم، 40، وقد احتال بن عتيك بشتى الحيل حتى قتله، فاحتال حتى دخل الحصن ثم أغلق أبواب بيوت اليهود من خارجها ثم صار إلى أبي رافع لا يدخل بابا إلا أغلقه من داخله وغير صوته حتى لا يُعرَف رضي الله عنه.

قال ابن حجر رحمه الله:(وفي هذا الحديث من الفوائد:

-جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول صلى الله عليه وسلم بيده أو ماله أو لسانه.

-وجواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربة المشركين وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين) اهـ فتح الباري، ج 7/ 345.

ومثل ما ورد في قصة قتل هؤلاء الطواغيت ورد في قصة قتل خالد بن سفيان الهذلي التي رواها الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغني أن خالدا بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة، فَاته فاقتله، قال: قلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه، قال صلى الله عليه وسلم: إذا رأيته وجدت له قشعريرة، قال: فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: أفلح الوجه، قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: صدقت) قال الشوكاني في نيل الأوطار، ج 3/ 213 سكت عنه أبوداود والمنذري وحسن إسناده الحافظ في الفتح.

وكما ترى فقد كان الهدف من اغتيال خالد ابن سفيان هو إجهاض مخططه لمحاربة المسلمين.

وفي هذه المسألة يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله عند ذكره لمراتب العبودية في تفسيره لقول الله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: (ثم إن إعداد القوة حسب المستطاع من واجبات الدين ولوازم إقامته، فالعابد الصحيح لله لا يعتوره التسويف في هذا، فضلا عن تركه أو التساهل فيه، وأيضا فالعابد لله المصمم على الجهاد يكون منفذا للغيلة في أئمة الكفر من دعاة الإلحاد والإباحية، وكل طاعن في وحي الله أو مسخر قلمه أو دعايته ضد الدين الحنيف لأن هذا مؤذ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز للمسلمين في بقاع الأرض من خصوص وعموم أن يَدَعوه على قيد الحياة لأنه أضر من ابن أبي الحقيق وممن ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اغتيالهم، فترك اغتيال ورثتهم في هذا الزمان تعطيل لوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم وإخلال فظيع بعبودية الله وسماح صارخ شنيع للمعاول الهدامة في دين الله، ولا يفسر صدوره إلا من عدم الغيرة لدين الله والغضب لوجهه الكريم، وذلك نقص عظيم في حب الله ورسوله وتعظيمهما لا يصدر من محقق لعبودية الله بمعناها الصحيح المطلوب) اهـ صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم للشيخ عبد الرحمن الدوسري، ج 1/ 268.

ثالثا: السِّريةُ في الإسلامِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت