الدلائل الواضحة التي لا تزال موجودة إلى اليوم في كتبهم المحرفة، فإن الحق تتعدد شواهده وتزداد محامده ..
فمن تلك البشريات النبوية في العهد القديم (التوراة) ، ما جاء في سفر التثنية من قول الرب لموسى: «سأقيم لهم نبيًا من بين إخوتهم مثلك وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به. وكل من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه [1] . وأي نبي تكلم باسمي كلامًا زائدًا لم آمره به، أو تكلم باسم آلهة أخرى، فجزاؤه القتل» [2] .
يقول ابن القيم رحمه الله [3] : «فهذا النص مما لا يمكن لأحد منهم جحده وإنكاره، ولكن لأهل الكتاب فيه أربع طرق:
أحدها: حمله على المسيح، وهذه طريق النصارى، وهو دليل يخالف معتقدهم في المسيح.
وأما اليهود فلهم فيه ثلاث طرق:
أحدها: على حذف أداة الاستفهام والتقدير: «أأُقيم لبني اسرائيل نبيًا من إخوتهم، لا أفعل هذا» ، فهو استفهام إنكار حذفت منه أداة الاستفهام.
الثاني: أنه خبر ووعيد، ولكن المراد به (شموئيل النبي) ، فإنه من بني إسرائيل. والبشارة إنما وقعت بنبي من إخوتهم وإخوة القوم هم بنو أبيهم وهم بنو إسرائيل.
الثالث: أنه نبي يبعثه الله في آخر الزمان يقيم به ملك اليهود ويعلو به شأنهم، وهو ينتظرونه الآن ويسمونه المنتظر.
قال المسلمون: البشارة صريحة في النبي العربي الأمي محمد - صلى الله عليه وسلم - ابن عبد الله، لا تُحْتَمَل على غيره» اهـ.
قلت: وذلك لعدة أمور، منها:
قوله: «نبيًا .. مثلك» : فلقد جاء في سفر التثنية كذلك أنه «لم يظهر بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى، الذي خاطبه الرب وجهًا لوجه» [4] ،
(1) وفي بعض النسخ: «... سأكون أنا المنتقم» .
(2) التثنية 18: 18 - 20
(3) ابن قيم الجوزية: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ص (316 - 7) .
(4) التثنية 34: 10