المذكر، وكما جرت العادة في استخدام صيغة الجمع للتوقير والتعظيم [1] ، فيصير المراد هنا الاسم (بكة Baca) .
فما القول في هذا؟ أرى أن القول قول الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [2] .
أيضًا، نلاحظ في الفقرة السابقة من سفر التثنية أن عبارة «وأتى من رُبى القدس» يقابلها في النسخ الإنجليزية: «he came with ten thousands of saints» ، عدا - فيما وجدت - نسخة يونج Young's جاء فيها: «and has come with myriads of holy ones» ، وسكتت نسخة داربي Darby عن هذه العبارة. والمعنى أنه: «جاء ومعه عشرة آلاف قديس» . فالملاحظ أن الترجمة العربية أسقطت هذه العبارة من النص، وكيف ذلك؟ ألا ينقلان من أصل واحد؟! نعم وإنما وقع ذلك لطمس حقيقة المراد من الآية؛ ذلك لأن أتباع موسى - عليه السلام - المخلصين كان عددهم سبعين رجلًا [3] ، وأتباع عيسى - عليه السلام - المخلصين كان عددهم اثني عشر حواريًّا [4] ، في حين أنه كما هو معلوم من السيرة النبوية أن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين فتحوا مكة في رمضان في العام الثامن من الهجرة كان عددهم عشرة آلاف صحابي، وقد جعلها الله - عز وجل - علامة بارزة لأهل الكتاب، لما تبع ذلك من ظهور للإسلام وانتشار لدعوته [5] .
(1) ومثال ذلك كلمة (إلوهِم Elohim) العبرية التي تطلق عادة لوصف إله إسرائيل الواحد، وكلمة (مُحَمَّدِم Muhummedim) الثابتة في المخطوطة العبرية لسفر نشيد الأنشاد Song of Solomon (5: 16) ، والتي تعني (الشخص كثير الحمد، محمود الصفات، كثير الخصال الحميدة) ، وترجمت إلى (وهو شَهيٌّ كُلُّه altogether lovely) ، في قوله: «رِيقُهُ أعذَبُ ما يكون، وهو شَهيٌّ كُلُّهُ. هذا حبيبي، هذا رفيقي، يا بنات أورشليم» . ولا دافع لهذا إلا نفي صفة النبوة عن رسول الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) البقرة: 79
(3) الأعراف: 155، سفر الخروج 24: 1، سفر العدد 11: 16
(4) متى 10: 1
(5) قال ابن كثير رحمه الله: «قال مالك رحمه الله: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون:"والله إن لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا". وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظَّمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد نوَّه الله بذكرهم في الكتب المنزَّلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال هاهنا: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} ، ثم قال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29] » اهـ [ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (7/ 362) ] .. وحقيقة أعجبني تعليق البعض حينما قال: «والغريب أن الكتب المقدسة تصفهم بالقديسين، وبعض من يدعي الإسلام يصفهم بالمرتدين والمنافقين!» .