الصفحة 111 من 571

بقلم: أخو من طاع الله

اشتد الحصار الصليبي على عكَّا المدينة الحصينة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وقد حاصرها الصليبيون بالسفن العسكرية الضخمة، واستطاعوا أن يقطعوا عنها التموين والطعام بالكلية، فاجتمع على المسلمين في عكا الجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات من طول الحصار وكَلَب العدو الصليبيِّ وقلة العدد والعدَّة.

وكتب أمير البلد (بهاء الدين قراقوش) يوم العاشر من شعبان - وكان قراقوش من خيار الأُمراء خلافًا لما يُشاع عنه - إلى صلاح الدين الأيُّوبي أن ليس عندنا في البلد ما يكفينا إلا لخمسة أيام.

ولم يكن لعكا طريق إلا طريق البحر، والبحر محاصر بالأساطيل الصليبية تحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، فلا يصل إليهم شيء ولا يخرج منهم أحدٌ.

وكان قائد جيش المسلمين في بلاد الشام السلطان المجاهد (صلاح الدين الأيُّوبي) رحمه الله تعالى، فاجتهد في الوصول إلى طريقةٍ يُمدُّ بها المسلمين ويعجِّل غياثهم وهم في أشدِّ الضُّرِّ والبأساء.

فألهمه الله طريقةً عبقريَّةً، جمعت ألوانًا من الفنون العسكرية، فكان المسلمون قد غنموا (بطشةً) من الروم والبطشة هي السفينة الحربية العسكرية، فأمر السلطان من فيها من المسلمين أن يلبسوا زي الفرنجة قال ابن كثير: حتَّى إنَّهم حلقوا لحاهم، وشدُّوا الزنانير، واستصحبوا معهم في البطش شيئًا من الخنازير!! والزنَّار شيء يُشدّ في الوسط كان يلبسه النصارى، وحملوا في هذه المركبة جميع ما كان المسلمون في الداخل يحتاجونه من الطعام: من الجبن والشحم والقديدِ، ومن السلاح: النُّشَّاب، والنفط (وللنفط قصَّة في هذا الحصار لعلَّنا نعرض إليها في المقال القادم) .

ركب المسلمون هذه السفينة ومرُّوا بالروم فلم يشكُّوا طرفة عينٍ أنَّهم منهم! فقد كان التمويه تمويهًا جيدًا، محكم الخطة، عالي الأداء: المركب من مراكب الروم، والركاب قد حلقوا اللحى وليس في المسلمين رجلٌ واحدٌ يحلق لحيته في ذلك الوقت، والصليبيون يحلقون لحاهم، وشدُّوا الزنانير وهي علامةً مميزةٌ للنصارى، ثمَّ أحكموا الخطة وسدُّوا كل خلل يحتمل فيها بحمل الخنازير معهم في السفينة، فمن يخطر في باله بعد ذلك أنَّهم من المسلمين جاءوا ليغيثوا إخوانهم؟!!

إنَّ مستوى التمويه وإتقانه في هذه العملية لصلاح الدين رحمه الله ليذكِّر في العصر الحاضر بحرب المدن وما يستخدمه المجاهدون فيها من أساليب للتمويه، وقد كانت الظروف التي احتاج صلاح الدين إلى استخدام هذه الحيلة فيها مماثلةً تمامًا لظروف حرب المدن اليوم، فهو يمر من بين قوة كبيرة للأعداء وإذا اضطر إلى مواجهتهم فسيخسر لا محالة العمل الذي جاء لأجله، فلا مناص من مخادعتهم والمرور بينهم وهم يحسبونه منهم و"الحرب خدعة".

تذكّرت وأنا أتأمَّل هذه القصة غزوة "بدر الرياض" المباركة حين ركب المجاهدان: ناصر السياري، وعلي المعبّدي رحمهما الله وتقبلهما في الشهداء، سيارةً مموهةً بلون سيارات قوات البشمركة السلولية (الطوارئ) ليُدخلاها إلى المجمّع الصليبي المسمّى مجمع المحيَّا، ليسلّموا الصليبيين فيه الدفعة الأولى من نار جهنّم في الدنيا، نسأل الله أن يُذلّ الكفر والكافرين.

فقد لبس المجاهدان اللباس العسكري الخاص بقوات الطوارئ، وركبا المركب المصبوغ بلون قوات الطوارئ واقتحما به على أعداء الله عزَّ وجلَّ وظنّهما الناس من قوات الطوارئ حتَّى بلغا الموضع الَّذي كتب الله فيه ذلك النصر المُبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت