وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب - وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له" وفي لفظ: "حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم"، يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: "فدنا العدوُّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبَّأ المسلمون ثم اقتتلوا والرايةُ في يد زيدِ بن حارثة، فلم يزل يُقاتل بها حتى شَاطَ في رماح القوم وخرَّ صرِيعًا، وأخذها جعفرٌ، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتالُ اقتحم عن فرسه فعقرَها ثم قاتَل حتَّى قُتِلَ، فكان جعفر أوَّل مَن عَقَرَ فرسَه في الإسلامِ عند القتال، فقُطِعَتْ يمينُه فأخذ الراية بيساره، فَقُطِعَتْ يسارُه فاحتضن الراية حتى قُتِلَ وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبدُ الله بن رَوَاحةَ وتقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزِلُ نفسه ويتردد بعض التردد ثم نزل، فأتاه ابنُ عم له بعَرق من لحم فقال: شُدّ بها صُلْبَك، فإنك قد لقيتَ في أيَّامِكَ هذِهِ ما لقيت، فأخذها مِن يده، فانتهس منها نهسة، ثم سمع الحَطْمَةَ في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه مِن يده، ثم أخذ سيفه وتقدَّم، فقاتل حتَّى قُتِلَ، ثم أخذ الراية ثابتُ بن أقْرَم أخو بني عَجلان، فقال: يا معشر المسلمين؛ اصطلحُوا على رجل منكم، قالوا: أنتَ، قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد، فلما أخذ الرايةَ دافع القومَ وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس"، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي ابن أبي طالب". فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه". فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحد خير لك من أن يكون لك حمر النعم".