وفي زاد المعاد أن النبي صلى الله عليه وسلم "حين انصرف من خيبر إلى وادي القُرَى وكان بها جماعةٌ من اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي، وهم على غير تعبئةٍ فعبَّأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه لِلقتال وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعدِ بْنِ عُبادة ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سَهل بن حُنيف، ورايةً إلى عبَّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءَهم وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبيرُ بن العوَّام فقتله، ثم برز آخرُ فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه عليُّ بن أبى طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قُتِلَ منهم أحد عشرَ رجلًا، كلما قُتِلَ منهم رجلٌ دعا مَن بقي إلى الإسلامِ، وكانت الصلاة تحضُر ذلك اليومَ، فيُصلِّي بأصحابه، ثم يعودُ فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أَمْسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطَوْا ما بأيديهم، وفتحها عَنوة، وغنّمه اللهُ أموالهم، وأصابُوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا".
وفيه أيضًا أنه حين قَدِمَ عليه صلى الله عليه وسلم وفد صُداء لما انصرف من الجِعْرَانَةِ؛ بعث بعوثًا وهيأ بعثًا استعمل عليه قيسَ بنَ سعدِ بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض ودفع إليه رايةً سوداء، وعسكر بناحية قناة في أربعمائةٍ مِن المسلمين.
الفوائد والأحكام المستفادة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: "وفي هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب، وأن اللواء يكون مع الأمير أو من يقيمه لذلك عند الحرب"، وقد تقدم حديث أنس: "أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب .. " الحديث.
وقال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: "وجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين شعارًا وللأوس شعارًا وللخزرج شعارًا وعقد النبي صلى الله عليه وسلم الألوية عام الفتح فعقد للقبائل قبيلةً قبيلة حتى جعل في القبيلة ألوية كلُّ لواء لأهله وكلُّ هذا ليتعارف الناس في الحرب وغيرها وتخفُّ المؤنة عليهم باجتماعهم وعلى الوالي كذلك؛ لأن في تفريقهم إذا أريد والأمرُ مؤنةٌ عليهم وعلى واليهم وهكذا أحبُّ للوالي أن يضع ديوانه على القبائل ويستظهر على من غاب عنه ومن جهل ممن يحضره من أهل الفضل من قبائلهم".
وقال الشوكاني رحمه الله عن القتال تحت راية قومه في كتاب نيل الأوطار: "إنما كان ذلك مشروعًا لما يتكلفه الإنسان من إظهاره القوة والجلادة إذا كان بمرأى من قومه ومسمع بخلاف ما إذا كان في غير قومه فإنه لا يفعل كفعله بين قومه لما جبلت عليه النفوس من محبة ظهور المحاسن بين العشيرة وكراهة ظهور المساوئ بينهم ولهذا أفرد صلى اللّه عليه وآله وسلم كل قبيلة من القبائل التي غزت معه غزوة الفتح بأميرها ورايتها كما يحكي ذلك كتب الحديث والسير".
ويقول ابن القيم رحمه الله عن فقه قصة وفد صُداء: "فيها استحبابُ عقد الألوية والرايات للجيش، واستحبابُ كونِ اللِّواء أبيض، وجواز كونِ الراية سوداء مِن غير كراهة".