مما تقدم يتبين لنا أهمية الرايات وحرص النبي صلى الله عليه وسلم عليها بل وتضحية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بنفسه من أجل ألا تسقط راية الإسلام كما مر أنه قاتل بها حتى قُطِعَتْ يمينُه، فأخذ الراية بيساره، فَقُطِعَتْ يسارُه، فاحتضن الراية حتى قُتِلَ ولذا سُمّي جعفر الطيار وأيضًا تنافس الصحابة أيهم يعطى الراية - يومَ خيبر - دليلٌ على أهميتها وشرفها ومنزلتها في النفوس وإعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الراية لأحد أصحابه دليلٌ على محبة الله ورسوله له ومحبته لله ورسوله، والراية لها جانبان: الجانب الحسي وهو ماسبق في التعريف، والجانب المعنوي وهو المنهج الذي تحمله والهدف والغاية الذي تريد الوصول إليه من نشرٍ للإسلام ورفعٍ للظلم ومدافعةٍ للكافرين الأصليين منهم والمرتدين، وهي عنوان وشارة لأي دعوة فبها تتبين الدعوات وتتمايز الصفوف وقد حرص الإسلام على وضوح المنهج وصفاء الراية من أيِّ شائبة أو اعوجاج فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم على ثمانين غاية. قلت: وما الغاية؟. قال: الراية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا، وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها دمشق" رواه أحمد.
قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: "غاية أي راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف".
فالراية غاية للمتبعين يقفون حيث وقفت فالقتال مربوطٌ بالراية التي يُقاتلُ تحتها فهي تحدد المقصد لأن السائر تحتها سيتحرك حيث تحركت ويقف حيث وقفت ويمتثل أوامرها بالصدور والورود لا يتعداها ولا يخالفها في صغير ولا كبير فنحن نستطيع الحكم على الراية بمعرفة الغاية ونعرف الغاية بمعرفة الراية لأن الراية الظاهرة هي مظهر المقصد الخفي، والغاية المعلنة باللفظ والتصريح هي التي تحدد لنا الراية التي يقاتل المرء تحتها فلابد أن تكون الراية خالية من الجاهلية والعصبية وأن تكون واضحة غير عمّية فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب للعصبية، أو يدعوا إلى عصبية أو ينصر عصبية، فقتل، فَقِتْلَةٌ جاهلية" رواه مسلم والمقصود بالعمية كما قال النووي رحمه الله: "قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق بن راهويه، كتقاتل القوم للعصبية" أ. هـ
يقول أبو قتادة الفلسطيني فك الله أسره في مقالات بين منهجين: "العمية من العمى وهي الغواية والضلال كالقتال في العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين "عُمية"، وسئل أحمد بن حنبل رحمه الله عمن قتل في عمية؟. قال: الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه قال أبو إسحاق: إنما معنى هذا في تحارب القوم وقتل بعضهم بعضا يقول: من قتل فيها كان هالكًا قال أبو زيد: العمية: الدعوة العمياء فقتيلها في النار وقيل: العمية: الفتنة، وقيل الضلالة، فالراية العمية إذًا على معنيين، المعنى الأول: الراية التي لا وضوح فيها فهي غير بينة ولا واضحة، وإنما انساق المرء فيها كالدابة لا يدري فيما يتقاتل الناس عليه، ولا على أي شأن يتقاتلون، ولذلك هي راية لم يستبن المرء أمرها، ولم يتحقق من أهدافها، المعنى الثاني: الراية البينة الضلالة، التي لا تقاتل على الإسلام ولكنها تنتصر لمعاني الجاهلية، كالتعصب للقبلية أو العصبة أو الوجهة دون هدي من كتاب أو سنة، ويلتحق بهذه الراية الرايات البدعية لأنها رايات غواية وضلال ليس عليها نور الهدي النبوي، ولا الحق مسفر بوجهه علينا.