الصفحة 150 من 571

فكيف ترانا بعد ذلك سنعبأ بتنظيرهم المنهزم أو تحليلهم المندحر؟

قال تعالى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ، وقال سبحانه: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) .

[1] فك الله أسره، وقد نشر هذا المقال في موقعه العامر: منبر التوحيد والجهاد.

في ظلال آية

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

في هذه الآية الثانية من السورة (سورة فاطر) صورة من صور قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى، وحين تستقر هذه السورة في قلبٍ بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعًا.

إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله، وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة الله، وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض وتفتح أمامه باب الله وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض وتشرع له طريقه إلى الله.

ورحمة الله تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه وتكريمه بما كرمه وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته وفيما أنعم به عليه مما يعلمه، ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح، ويجدها من يفتحها الله له في كل شيء وفي كل وضع وفي كل حال وفي كل مكان ويجدها في نفسه ومشاعره ويجدها فيما حوله وحيثما كان وكيفما كان، ولو فقد كل شيء مما يعد الناس فقده هو الحرمان، ويفقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء وفي كل وضع وفي كل حالة وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان و الرضوان؛ وما من نعمة يمسك الله معها رحمته حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة تحفها رحمة الله حتى تكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد. وينام على الحرير وقد أمسكت عنه فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور برحمة الله فإذا هي هوادة ويسر. ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت رحمة الله فإذا هي مشقة وعسر، ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المنهاج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار؛ ولا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها دون سواه، لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت