الصفحة 191 من 571

بقلم: أخو من طاع الله

أكثر التطور الفني في آلات الحياة لدى الإنسان هو ما يكون في آلة الحرب، أو لأجل الحرب، وهذا هو ما كان قديمًا، وما يكون اليوم، ولا عجب فالحرب جزء لا يتجزأ من النشاط البشري والحياة الإنسانية، وهي سنة كونية جعل الله فيها مصالح عظيمة كما ذكر بعضها في كتابه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) .

ولو نظرنا في آلة الحرب لدى الإنسان منذ القدم لوجدنا منها الآلات المنقولة المتحركة، ومنها الوسائل الثابتة مثل الخنادق والحصون والقلاع والأسوار العظيمة ونحوها، فأما الجانب المنقول فقد اقتصر في العصور القديمة على الإنسان وما يحمله من سلاح، والدواب التي يركبها ويستعملها في القتال، إلا في البحر حيث استعمل المراكب والسفن الحربية في القتال، ويمكن اعتبار السفن الحربية أكبر آلةٍ حربية متنقّلة استخدمها الإنسان إلى ما قبل العصور الحديثة.

والذي ينظر في التاريخ العسكري يلحظ مسألة التطور الفني في الوسائل الحربية بجلاء، ومن ذلك ما تقدم معنا في حصار عكا الذي سنتناول هذا اليوم جانبًا من جوانبه.

استخدم الروم في حصارهم لعكا السفن الحربية العظيمة التي كانت مزودة بأبراجٍ مكونةٍ من طوابق متعددة تحمل الجنود بأسلحتهم، وكان لها الدور الأكبر في إحكام الحصار على مدينة عكَّا الحصينة، لسيطرتها على البحر، والبحر -كان وما يزال- مجالًا عظيمًا لطراد المقاتلين والمعارك الحاسمة، وفيه كانت أيامٌ كثيرةٌ من أيام الإسلام، كذات الصواري وذات السلاسل وتدمير المدمِّرة كول، وضرب ناقلة النفط الفرنسية وغيرها.

اشتدّ بالمسلمين الكربُ من هذه الآلات العسكرية الضخمة التي تُحيط بهم، ولا تجدي وسائلهم فيها شيئًا، وربما كان لها من الأثر المعنويِّ والنفسي أضعافُ تأثيرِها الميدانيِّ.

وفي مثل هذا الموضع تبرز أهمية المضادَّات، فإنَّ من أكبر عناصر القوة العسكرية: العتاد العسكريُّ الضخم الذي يمكن تنقّله سواء على البحر كما كان قديمًا، أو في البر والجو مما حدث في هذه العصور من الطائرات والمدرّعات والدبَّابات والآليَّات.

والمضادَّات هي السلاح الذي يعطِّل هذه القوة التي يعتمد عليها العدو، ويخرجها من ميدان المعركة، وحال المضادَّات مع العتاد العسكريّ الذي تستهدفه كحال رجال العصابات مع القوات النظامية، فهي أسلحة خفيفة رخيصة التكلفة بسيطة التركيب، إلاَّ أنَّها تُعطب أسلحة معقّدة غالية التكاليف معقَّدة التركيب.

ومن أشهر المضادَّات قذائف الآر بي جي التي تستهدف المدرّعات والآليات العسكرية وتتمكّن بإذن الله من تدميرها وإعطابها، وحتَّى الدبابات المتطورة والتدريع الذي زعموا في بداية إنتاجه أنَّ الآر بي جي لا يستطيع تعطيله اتّضح أنَّ فيها نقاط ضعف إذا أصابتها القذيفة فلليدين وللفمِ.

ويُذكر أنَّ الاتحاد السوفيتي ندم على تصنيع الآر بي جي، بعد أن كبّده خسائر باهظةً لا يمكن تعويضُها، فهي قذيفةُ آر بي جي بعشرات الدولارات تعطب دبابة بمائة مليون دولار! وقذيفتان يعطبان دبَّابتين! ولا مناسبة بين حجم الخسارة والمجهود أو التكلفة التي أمكن بها تحقيق هذه الخسارة، والواقع أنَّ المضادَّات عمومًا والآر بي جي خصوصًا نعمةٌ ساقها الله إلى مقاتلي العصابات الذين لا يملكون آليات أو دبابات يخشون عليها من المضادَّات، ويملك عدوّهم أنواع الآليَّات التي لا يستغني عنها، ولا يجدون هدفًا أمثل منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت