الصفحة 280 من 571

والخلاف بين عليٍّ والخوارج، إنَّما هو في كون الصورة الواقعة حكمًا بغير ما أنزل الله، فخلافُهم كما لو نهى رجلٌ عن التداوي عند طبيبٍ، وادّعى أنَّهُ يُخالف قوله تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، وقال إنَّ المستغيث بالطبيب يعبده من دون الله، فهو كافرٌ، فقال من يردُّ عليه، بل التداوي سببٌ مباحٌ، وهو طريقٌ جعله الله يُجري به الشِّفاء، فالتداوي حقيقةً من اللجوء إلى الله، والتماسِ الشِّفاء منه بالطريق الذي أعلمَنَاه، وبيَّن له أنَّ العبادة تكون إذا طلبَ من غائبٍ أو ميتٍ، أو من حاضرٍ ما لا يقدرُ عليه إلا الله.

فلو جاء ثالثٌ، فادّعى أن الخلاف بينهما هو في كفر المستغيثِ بغير الله، لكان أجهل من حمار أهله، لأنّ الطرفين اتّفقا على كفر المستغيث بغير الله، ولكنَّ من كفّر المتداوي، أخطأ في فهم تلك الصورة، وألحقها بالاستغاثة بغير الله.

وكذا في الحكم بغير ما أنزل الله، فإنَّ الخوارج وعليًّا -رضي الله عنه- لم يختلفوا في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله فيما نُقل عنهم، وإنَّما خلافهم فيما فعله عليٌّ هل هو من الحكم بغير ما أنزل الله أم لا؟

ولذا لا تجد عبارة لا لعلي ولا لغيره في الرد على الخوارج يوم ذاك، يُنازعونهم في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بمعناه، مع أنَّها أصلُ مسألة النِّزاع على حدِّ زعمِ المُدَّعي، وما وقع من رد ابن عباس وأبي مجلز وغيرهما من السلف على الخوارج في مسألة الحكم إنَّما هو في المعاصي حيثُ كان الخوارج يلحقونها بالحكم بغير ما أنزل الله ويعدُّونها منه ومن ذكَر الآية من السلف في الرَّدِّ على الخوارجِ بعد ذلك، فإنَّما ردَّ عليهم مسألة الحكم في واقعةٍ معيّنةٍ، بدليل نسبتهم ذلكَ الأمر الذي عدُّوه من الحكم بغير ما أنزل الله إلى أُمراء وقتِهم.

ولهذا أيضًا: جاء علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بمصحفٍ كبير فوضعه أمامه ثم قال: أيُّها المصحف حدِّث الناس، كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند لا بأس به، يردُّ بذلك على الخوارج الذين أنكروا أن يحكَّم رجلٌ وعدوه من الحكم بغير ما أنزل الله، فأفهمهم أنَّ المصحف لا يُمكن أن يتكلَّم وإنَّما يحكم الحكَّام بما يأخذونه منه.

ولهذا أيضًا: استدل علي بن أبي طالبٍ بآية التحكيم في قوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وبالتحكيم في ثمن صيد الحرم كما قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .

فلو تأمَّلتَ هذا الوجه، لرأيتَ أن لو حكى حاكٍ الإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله معتمدًا عليه وحده لم يكن بعيدًا، والله أعلم.

ومن سنن المرجئة التي شهد بها التاريخ عليهم، رميُ دُعاةِ التَّوحِيد بالخارجيَّة والتَّكفير بلا بيِّنة، ودون تحريرٍ لمذهبِ الخوارجِ ومعرفة به، فممن رُمِيَ به لتكفيره المستحقّ:

إمام أهل السنة أحمد بن حنبلٍ، فنقل ابن تيمية عن الخلاّل في كتاب السُنّة قال: قال أبو عبد الله: بلغني أنَّ أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب فيعيبون قولنا، ويدّعون أنَّ هذا القول: أنَّه لا يُقال مخلوق وغير مخلوق، ويعيبون من يكفّر، ويقولون إنّا نقول بقول الخوارج، ثم تبسّم أبو عبد الله كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء.

شيخ الإسلام ابن تيميَّة، كما تجده في كتب كثيرٍ من خصومِهِ من معاصريه وممن بعده، ولا تجده أوفى منه في كتب محمد زاهد الكوثري الجهمي الوثني القبوري، وتجد تردادها وتكرارها أكثر مما قيل في زمن الإمام أحمد لأن الإرجاء كان قد انتشر في زمن شيخ الإسلام بانتشار الأشعريَّة ونشرهم ضلالهم وباطلهم في مسألة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت