الصفحة 333 من 571

كتاب يهدي تفسير قوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ)

بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد

قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) .

عاتب الله عزَّ وجلَّ عبادَهُ المُؤمنين على انقسامِهِم في المُنافِقِين فئتَينِ: في الحكم عليهِم بالكُفر، وفي مُعاملتِهم بمقتضى ذلك الحُكم من القتلِ والقِتال، ومن استحلالِ الدَّمِ والمالِ، أخرج البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول نُقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم؛ فنزلت: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) ، وفي لفظٍ لهما: فرقة تقول نقتُلُهم وفرقة تقول لا نقتُلُهم، وجاء في بعض آثار السلف في تفسير الآية أنَّهم اختلفوا فيهم هل هم مُؤمنون أم كفَّار.

والآية تُنكر على المُختلفين من المُؤمنين أنَّهم اختلفوا فئتين في قومٍ من المُنافقين، وما كان ينبغي لهم ذلك الاختلاف (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) والمعنى أنَّ الله أوقعهم وأهلكهم وردَّهم في الكفر بما كسبوا من الذنوب، أو ردَّهم إلى أحكام الكُفر في الدنيا من إباحة الدم والمال ووجوب معاداتهم ومُنابذتهم.

فإذا كان الخلاف الذي وقع بين الفئتين في تكفيرهم، فالإركاس المذكور في الآية هو ردُّهم إلى الكفر، والمعنى: فكيف تختلفون في كُفر هؤلاء والله عز وجل قد أوقعهم في الكُفر في الحقيقة، بل وبلغ بهم الكُفر أنَّهم (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) ثمَّ رتَّب على هذا أحكامه الدنيوية، من قطع الولاية وتحريم الاستنصار بهم والأمر بقتلهم حيثُ وُجدوا فقال سبحانه وتعالى: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) .

وهذا إنكارٌ من الله عزَّ وجلَّ على من توقَّف في الَّذين ارتكبوا الكفر والردة يومئذٍ، وهو بعمومِ لفظِهِ ومعناهُ شاملٌ لكلِّ من توقف أو خالفَ في مثلِ هؤلاءِ ممن يرتكب المكفِّرات.

وإذا كان ذلك الخلاف في قتالهم أو قتلهم؛ فالإركاس هو ردُّهم إلى أحكام الكفر في الدنيا بما اجترحوه من الكُفر، والمعنى حينئذٍ: فكيف تختلفون في قتال هؤلاء والله قد ردَّهم إلى أحكام أهل الكفر من إباحة الدم والمال بسبب الكُفر، ثمَّ فصَّل بذكر بعض الأحكام التي تنبني على الكُفر ومنها: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت