الصفحة 334 من 571

والأمرانِ كلٌّ منهما متضمِّنٌ للآخر مستلزمٌ له، فكفرهم يقتضي قتلهم وإباحة دمائهم، وإباحةُ دمائِهم إنَّما تكونُ لكُفرهم، والله عزَّ وجلَّ في عتابِه للمُختلفين ذَكَر الأمرينِ: كُفرَهُم، والأحكامَ المترتّبة على كفرهم كما تقدَّم، والأَولَى أن يُقال: إنَّ الصحابة اختلفوا في كفرهم وذلك شاملٌ لاسم الكُفر ولما يترتَّب عليهِ من أحكام، ولا يكون بين القولَينِ اختلافٌ.

واختلف أهل العلم في المُنافقين الَّذين نزلت فيهم الآية وفي الأمر الذي كفروا به على قولين:

القول الأوَّل: أنَّ الآيةَ نزلت في قومٍ من أهل المدينة، فقيل: هي الطائفة التي خرجت من جيش النبي صلى الله عليه وسلم وهم عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المُنافقين، وذهب من قال بذلك إلى ظاهر حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وزيد بن ثابتٍ صحابيٌّ شهد القصة وحضَرَها، وقوله: (فنزلت) يُفيد أنَّ هذه القصَّة هي سببُ النُّزول.

وقيل نزلت في قومٍ أرادوا الخروج من المدينة لما استوخموها، وهذا قول السُّدِّي.

وقيل نزلت في أصحاب الإفك وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وضعَّف ابن جرير هذا القول في تفسيره فقال: وفي قول الله تعالى ذكره: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة؛ لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر, فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة, لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومقامه.

وقد ذهب بعض المفسِّرين كالقرطبي إلى ظاهر حديث زيد بن ثابت وجعلوا الهجرة هجرتهم وخروجهم إلى الجهاد في سبيل الله فيما يأتي من غزواتٍ بعد أحد، وله وجه وإن كان خلافَ الظَّاهر، ويُحمل على المعنى العامِّ للهجرة الذي جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والمُهاجر من هَجَر ما نهَى اللهُ عنه" أخرجه البخاريُّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

القول الثاني: أن الآيةَ نزلت في قومٍ من أهل مكة، وهذا قول مجاهدٍ وقتادة ومعمر واختيار ابن جرير، ورُوي عن ابن عباس بسندٍ ضعيفٍ؛ فقال مجاهدٌ: قومٌ خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون, ثم ارتدّوا بعد ذلك, فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون؛ فقائل يقول: هم منافقون, وقائل يقول: هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم.

ونحوه قول قتادة: ذُكِر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة, وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فلقيهما ناس من أصحاب نبيّ الله وهما مقبلان إلى مكة, فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال, وقال بعضهم: لا تحلّ لكم، فتشاجروا فيهما, فأنزل الله في ذلك: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) حتى بلغ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) .

وقول معمر: بلغني أن ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا, وكان ذلك منهم كذبًا، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون؛ فقالت طائفة: دماؤهم حلال, وقالت طائفة: دماؤهم حرام، فأنزل الله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت