الصفحة 387 من 571

وبدأت المعركة الفاصلة وكان الجبناء كعادتهم لا يقاتلون إلا من وراء بروج محصنة، فبدأت الحملة الجوية فكانت السماء تحجب من كثافة الطيران ودخان قنابل النابالم، كما كان للمدفعية دورها، وقد روى سكان المداشر الذين عايشوا المعركة أنهم لم يشهدوا شراسةً في القتال كالتي رأوها في تلك الأيام، ولم يحدث مثلها حتى أيام الاستعمار.

وأثخن الشيخ في أعداء الله أيما إثخان، وبعد أسبوع من القتال همّت القيادة العسكرية الميدانية للطواغيت بالانسحاب لفداحة الإصابات فيها وانهيار معنويات الجنود، لكن التعليمات الفوقية منعتهم من ذلك وأمرتهم بتكثيف الغارات الجوية والقنبلة المدفعية وخاصةً على أسخن وأشرس منطقة في القتال وذلك لإدراكهم أن تلك الجبهة بقيادة الشيخ، وكان شيخنا في خضم هذه المعارك جبلًا شامخًا لا يهتز ولا يزيد على تلاوة قوله تعالى (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

وكان أن نزلت مجموعة من القنابل الشديدة على موقع رباط شيخنا فانفجر المكان وما هي إلا لحظات حتى تحولت المنطقة إلى أرض محروقة لا حياة عليها، ومضى شيخنا إلى ربه شهيدًا وحيدًا غريبًا فريدًا.

لقد أبى جسده الطاهر أن يكون بين يدي الأنجاس الملاعين، فاندثرت أجزاءه حتى لا يكون لها قبر يواريها، ولم تلبث المعركة بعده طويلًا وأُسِرَ أسود الوغى بعد نفاذ ذخيرتهم، وبعد أن مضى منهم من مضى على درب الشهادة، وكان ممن أسر: الشيخ منصوري ملياني والشيخ عبد القادر شبوطي والشيخ بلعيدي الدراجي وغيرهم، وهم الثلة التي كانت تحمل المشعل وقادوا العمل الجهادي بعد مأساة 1992 وقد لحقوا جميعا بركب الشهادة فهنيئًا لهم ولشيخنا مصطفى الشهادة ...

نم شيخنا؛ فمثلك لا بواكي له، لأن الناس لم يتعودوا أن يقصدوا الجبال بحثا عن الخنادق المحاطة بالحفر من أثار القنابل والتي يدلك على وجودها من بعد هدير الطائرات، ودوي المدافع ..

لذلك لم يقصدوا عرينك ..

ولأن الناس تعودوا قصد الحفر في قيعان الأودية لا قصد الثغور في قمم الرواسي الشامخات ...

ومثلك لا بواكي له .. لأنك تركت بوفاتك حملًا كان يثقل كاهلك .. وثغرًا كان حفظه يشغلك .. فقد كنت وفي أحلك الظروف لا يشغلك إلا سعة الثغر، وضعف المرابط، وقلة النصير، متناسيا آلامك، لأنك تشعر بأنك لست سوى عضو في جسد أمتك المثخن بالجراح، فتتناسى آلامك لآلامها، وتنكر ذاتك لأجلها.

نعم شيخنا مصطفى ... لقد بكاك الغرباء أمثالك ... لأنهم فقدوك عند اشتداد الخطب واحمرار الحدق، وسنبكيك مع علمنا بأنك وإن غاب عنا جسدك فلن ينقطع إن شاء الله جهادك معنا، بل ستكون لنا شريكًا في جهادنا بما علمتنا إياه.

نم شيخنا الكريم ... فبإذن الله الواحد الأحد، لن تقف القافلة عن المسير، ولن تسقط الراية ولن تستبدل، وإنا إن شاء الله بالعهد لموفون.

[1] نقلًا عن موقع منبر التوحيد والجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت