الصفحة 469 من 571

إذا جاء أمره لا ترده قوة بشر مهما كانت قوتهم، ولذا قالت أمريكا كمقولة عاد: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ، وقد أخبر الله عن قوة قوم عاد كما تقدم، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) فأرسل الله عليهم ريحًا مدمره، كما أرسل الله الأعاصير هذه الأيام الماضية على أمريكا، حيث صب عليهم سوط عذاب، نسأل الله أن يزيدها عليهم.

وكذلك ما فعل الله بثمود وقوم لوط وفرعون وجنوده، وقوم نوح وغيرهم، قال تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، وأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف، وهى قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحِجْر قريبًا من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنها جيدًا، وتمر عليها كثيرًا، وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) أي كانت عقوبته بما يناسبه (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية شديدة الهبوب جدًا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشْدَخُه، فيبقى بدنًا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر (وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوا سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحًا ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات (وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ) وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) وهو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم أُغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) أي فيما فعل بهم (وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم» أهـ.

هذا مع حلم الله وصبره عليهم فكم آذوه وشتموه وكذبوه، وهو يعفو ويصفح، جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو في ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم" وهذا لفظ مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت