الصفحة 472 من 571

فاعلموا أن الله يتولى نصرة أولياءه، ومحق أعداءه، والله محيط بالكافرين قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) ، قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي أهلك جميع دواب الأرض تبعًا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب جل جلاله يحلم ويستر، أي لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما بقي أحد، ولذا قال تعالى: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) ، وهذه الآية تسلية للمؤمنين عما يحصل للكافرين وأعداء الدين من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها وبعض القوة والغلبة في بعض الأوقات، لكن هذا ليس ثابتًا لهم ولا بقاء له، بل يمتعون به قليلًا، ويعذبون فيه دنيا وأخرى، وهذا كما قال تعالى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) ، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) وقال: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) وغير ذلك من الآيات، وإنَّ أخذ الله لهم ونقمته بهم في الدنيا وهم في حال قوتهم، وكذلك أيضًا في غفلتهم، فلا يعجزه شيء جل وعلا قال تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) وهذه من آيات الله الباهرات يريها الله عباده في أعدائه لكي لا يأمنوا مكر الله، وأن الكافر مهما أوتي من قوة فهو تحت قبضة الله وسطوته، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى) ، كل ذلك لكي يرجع الفاجر والظالم إن كان له سمع وعقل وقلب، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، والآيات في ذلك كثيرة جدًا، كيف يجعل الله عذابه وبأسه ونقمته بأعدائه في حال سهوهم وغفلتهم، وحال غطرستهم وقوتهم، وكذلك كيف يجعل لأولياءه من النعمة والنصرة والحفظ والتأييد، وهذا في الدنيا وفي الآخرة. وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت