فليتأملِ العاقِد مع ربه عقد هذا التبايعِ ما أعظمَ خطَرَه وأجلَّه، فإن الله عَزَّ وجَلَّ هو المشتري، والثمن جنَّاتُ النعيم والفوزُ برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقدُ أشرفُ رسله وأكرمُهم عليه مِن الملائكة والبَشر، وإن سِلْعَةً هذا شانُها لقد هُيِّئَتْ لأَمرٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
مَهْرُ المحبةِ والجَنَّةِ: بذلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للِجبان المُعرِضِ المُفْلِس وسَوْمِ هذه السلعة؟!!
باللَّهِ ما هزُلت فيستامها المفلسون، ولا كَسَدَت فيبتاعها بالنسيئة المُعْسِرُونَ، لقد أقيمت للعرض في سوق مَن يزيد، فلم يرضَ رَبُّهَا لها بثمن دون بذل النفوس؛ فتأخر البطَّالون وقام المحبُّونَ ينتظرون أيُّهُم يصلُح أن تكون نفسُه الثمن، فدارت السِّلعة بينهم، ووقعت في يد (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) لما كَثُرَ المدَّعون للمحبة: طُولِبُوا بإقامة البيِّنة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى الخليُّ حِرْفَةَ الشّجيِّ.
فتنوع المدعون في الشهودِ، فقيل: لا تثبُتُ هذه الدعوى إلا بِبينَّةِ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فتأخر الخلقُ كُلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعالهِ وأقوالهِ وهديه وأخلاقِه، فطُولِبُوا بعدالة البَيِّنة، وقيل: لا تُقَبلُ العدالةُ إلا بتزكية (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) ؛ فتأخر أكثرُ المدعين للمحبة، وقام المجاهِدونَ.
فقيل لهم: إن نفوسُ المحبِّين وأموالهم ليست لهم، فسلّموا ما وقع عليه العقد؛ فإن الله اشترى مِن المؤمنين أنفسَهم وأموالَهُم بأن لهم الجنَّةَ، وعقدُ التبايع يُوجِبُ التسليمُ مِن الجانبين؛ فلما رأى التجارُ عظمةَ المشتري وقَدْرَ الثمن، وجلالة قَدْرِ مَن جرى عقدُ التبايع على يديه، ومِقدارَ الكتاب الذي أُثْبِتَ فيه هذا العقدُ، عرفُوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لِغيرها من السِّلع، فرأوا مِن الخُسران البَيِّن والغَبْنِ الفاحش أن يبيعوها بثمن بَخْسٍ دَرَاهِمَ معدودة تذهب لذَّتُهَا وشهوتُهَا وتبقى تَبِعَتُهَا وحسرَتُها، فإنَّ فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء.
فعقدوا مع المشترى بيعةَ الرِّضوان رضىً واختيارًا مِن غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نَقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ، قيل لهم: قد صارت أنفُسكم وأموالُكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالكم (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .
لم نبتع منكم نفوسَكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم، بل لِيظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمَّنِ.