وإذا كنّا نريد تطبيق المبدأ الفيزيائي (لكل فعل ردة فعل) فلن نجد مثالًا أبلغ مما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر المبارك، فقد ارتفعت قيمة الدم المسلم، وأصبح ذا شأنٍ وخطر، وبالمقابل فقد أصبح الدم الأمريكي النصراني والغربي الكافر رخيصًا بفضل الله، وعادت الموازين إلى بعض ما كانت عليه، وأصبح الكثير منا يستشعر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (لزوال الدنيا بأكملها أهون عند الله من قتلِ رجلٍ مسلم) ، وأصبح الكثير من أمة الإسلام قرير العين، لا يعبأ بساعة مقتله متى تحلّ وقد علِم بأن خلفه أسود من أسود الله يأخذون بدمه، ويقيّدون اسمه في سجلاتهم، ويعلمون جاهدين على إعداد الثأر بالشكل المناسب، وليس أدلّ على ذلك من قول صانع 11 سبتمبر بعد توفيق الله الشيخ المجدد أسامة بن محمد بن لادن مخاطبًا الروم: واعلموا أننا نحصي قتلانا، وسوف نأخذ بثأرهم من دمائكم.
لا أريد أن أستطرد في الكلام عن الحادي عشر من سبتمبر وأترك القضية الرئيسية في هذا المقال، ولعلي أُعذر في استطرادي السابق، فما أجمل أن تتنسم عبير الانتصار عقب غيابت جبّ الذل والهزيمة.
إذًا .. فقد حدث توازن للرعب لم نرَ مثله منذ أن خلقنا الله، فلقد عاش جيلنا والجيل الذي قبله حياة ذلٍ وهوان، ولم يتعود الكثير على مثل هذه العزة، فأباها الكثيرون، ورفض استنشاق عبيرها المرضى، ولا غرو، فبعض الناس قد استمرأ الذل والهوان، نعوذ بالله من الخذلان، ولقد أصابهم قول الأول:
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ ... يجد مرًّا به الماء الزلالا
يقول داق هيربيورنسريد - وهو كاتب نرويجي وكتب مقاله هذا في الجزيرة نت: "رغم مرور ثلاثة أعوام على هجمات 11 سبتمبر فإن نوبة الخوف من الإسلام تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة انتشار النار في الهشيم، وأصبح ذكر الإسلام والمسلمين مقترنا إلى حد بعيد بمصطلحات من قبيل الإرهاب والعنف وما شاكلهما". وأقول: نعم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، إن العالم كله لم يرَ منّا ومنذ سنين إلا الاستسلام والخنوع والذل والهوان، فلير منّا معاني الإرهاب والقوة، وها قد جاء الوقت لكي يرى الروم حقيقة المسلمين الذين يحرصون على تمثّل قول الله تعالى (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .
إنني أحمد الله عز وجل على أن أحياني إلى هذا الوقت الذي أرى فيه رؤوس علوج الروم من النصارى الذي انتهكوا حُرماتنا؛ تُقْطَفُ صباحَ مساء في أفغانستان والعراق والشيشان وأرض الجزيرة، ولئن كان كثير من المسلمين قد استمرأ ما يسمّى بالخطاب البكائي، والذي يتمثل في إدامة سكب العبرات على واقع الأمة مع القعود عن النصرة، والذي يتمثّل أيضًا في التنظير المنهزم لمستقبل الأمة، وتصويره ذلك التصوير المظلم، وغاب عن حال أصحاب هذا الخطاب من عجائز الحلّ السلمي وبشوت الذلة أننا حاليًا على أعتاب نصرٍ كبير، وفتوحاتٍ عظيمة لأمة الإسلام؛ فإن هناك آخرين بدأوا بحمد الله يستشعرون أهمية المرحلة، ويُعِدّون أنفسهم لهذا الفتح المبين، يومَ أن تعلو رايات التوحيد في ديارنا، ويومَ أن تُطبّقَ شريعة الله كما نزلت على نبيّه في بلاد الله الواسعة، ويوم أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، حينها فقط يدرك البعض كم كان مغبونًا عندما قعد عن نصرة هذا الدين، وكم كان مفرّطًا حينما أوغل في حضيض اليأس، فدفعه يأسه إلى القعود والركون.