وبعد انتهاء الحرب هناك، عاد لأرض أفغانستان الأبية، وبقي فيها إلى أن جاء الاحتلال الصليبي الغاشم، فكان الانحياز من أفغانستان، وكنت أسأله لِمَ لَمْ تبق في الجبال فقال: (والله بذلنا كل ما في وسعنا للبقاء في تلك الأرض، لكن الأرض التي نمشي عليها لم تعد تقبلنا، فأخذنا نتنقل بين الجبال والأودية، فما يسمع بنا أهل القرى إلا خرجوا علينا بسلاحهم ليخرجونا حتى من الأودية والجبال، والسبب في ذلك أن الصليبين أهلكهم الله لا يسمعون بعربي في وادي أو جبل إلا محوا أثار تلك المنطقة بل وأبادوا القرى المحطية بها، فلما لم نجد طريقًا خرجنا) يقول: (فعدت للأرض المحتلة، حررها الله من كل غاصب، فجددت جوازي ومكثت قرابة الأسبوعين) ، وبعدها خرج لسوريا وبقي فيها قرابة السنة والنصف، فلما بدءت الحملة الصليبية على أرض العراق بلاد الرافدين، توجه إليها، ولما وصل إلى عاصمة الخلافة بغداد فوجئ بسقوطها، فلما شاهد الفوضى والعشوائية ولم يكن معه سلاح، عاد إلى سوريا وبقي فيها، وجاءت زوجته الشيشانيه أم عبد الرحمن ومحمد، فمكثت معه قرابة الأربعة أشهر، ثم لما عزم على التوجّه مرة أخرى إلى العراق، على أن يقوم بعملية استشهادية هناك يدك بها عروش الكافرين، ودّع زوجته وابنيه!! إنه حب الشهادة!!، وكان ذلك في منتصف رمضان، فأخذ يتنقل بين قرى العراق ومدنها عل وعسى أن يجد من يؤويه وينصره، أو يمده بالسلاح، نعم .. وجد من يؤويه إيواءً مصحوبًا بتخوف ووجل، لكنه لم يجد من يعينه على تجهيز عمليته، فمكث هناك قرابة الثلاثة أشهر، وبعدها سلم سلعته وبضاعته، التي وعد الله من باعها أن يشتريها منه، وثمنها الجنة، الله أكبر، كم كان ذلك الفتى البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا شجاعًا بطلًا ضرغاما، والله الذي لا إله غيره إن العبارات لاتصف شجاعته وإقدامه، كان في أفغانستان يفتح الطرق المغلقةَ أمام إخوانه، من يجرؤ أن يكون في أوائل الصفوف إلا الشجعان الأشاوس.
كان من عادته رحمه الله أنه لا يحب العمل في جماعات كبيرة، فكان يذهب حينما كان في أفغانستان لقائد الأمة الإسلامية الشيخ المجاهد العالم البطل أسامة بن لادن - حفظة الله - ويأخذ منه المال والسلاح، ويعمل مع خمسه أو ستة من المجاهدين يكونون في مجموعة، وحينما كان في الشيشان كذلك، فكانوا يذهبون إلى خطاب - رحمه الله رحمة واسعة - ويأخذون المال والسلاح ويعملون بمفردهم، لكن حينما كان يحدثني بهذا كان يقول: (وكان ذلك أمرًا عاديًا) ، وهو العمل مع مجموعة صغيره لكن الذي يتمعن في الأمر وينظر يرى أن ذلك لا يفعله إلاّ أشجع الشجعان، لأن الواحد منهم بألف رجل، وأقصد بذلك أبا عبد الرحمن.
ذلك الرجل كان لا يعجبه كثرة الكلام بلا عمل، ولا كثرة الضحك، لقد عاشرت ذلك الرجل فترة من الزمن فو الله ما أذكر أنة زاد في ضحكه على الابتسامة التي تبدوا منها نواجذه، وكأنه يتحلى بصفات النبي صلي الله علية وسلم، فرحمك الله يا أبا عبد الرحمن وطيب ذكرك حيًا وميتًا وخلف الأمة من بعدك بخير، وعوضها الله برجال أمثالك، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى مع محمد صلى الله علية وسلم وصحبه.
وأختم بشيءٍ يثلج الصدر ويقر العين، لقد أخبرني قبل استشهاده أنه رأى في المنام، كأنه مع خمسة من الإخوة وأن خطاب رحمه الله يسلم عليهم كلهم، ثم يعود لأبي عبد الرحمن ويعانقه عناقًا حارًا، أسأل الله أن تكون هذه من المبشرات.
وأعتذر للقاري الكريم عن الاختصار، لكن هذا الخبر بقدر ما أفرحنا، فلقد آلمنا فقده فأحببت المشاركة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.