الصفحة 99 من 571

كتابٌ يهدي .. وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ..

بقلم: أبي عبد الله السعدي

الله سبحانه امتنّ على قريشٍ بما منحها من نعمة الأمن في جاهليتها، حيث كانت تجارتهم آمنةً، ومكة لا يدانيها بلدٌ من بلاد العرب في الأمن والرزق، فذكّرهم الله بأنّ مُسْدِي هذه النعمة حقيقٌ بالشكر، وأعظم الشكر أن يوحّد سبحانه فلا تصرف العبادة لغيره من الأصنام والأوثان والمعبودات: (لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) .

وجاء الإسلام فكان للأمن معانٍ أخرى حرم من معرفتها أهل الجاهلية، وسيحرم من ذوقها والتمتع بها كل من سار على طريقتهم.

فأمن أهل الجنة هو الأمن الحقيقي الدائم الذي لا يخالطه خوف، فهم (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ما أجمل هذه البشرى، وما ألذّ هذا الوعد، وما أبرده على القلوب المشتاقة إلى نعيم الله، ولكن كيف ينال هذا الأمن؟ ولمن هو؟ الجواب في قوله تعالى ( ... فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام /81 - 82 وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم الوارد في هذه الآية بأنه الشرك، وقال ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية: "قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا) أي: يخلطوا (إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) الأمن من المخاوف, والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا لا بشرك ولا بمعاصي؛ حصل لهم الأمن التام والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات؛ حصل لهم أصل الهداية وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت