فكلّما تمسّك المسلم بأمر هذا الدين حصل له بحسب ذلك من الأمن الحسّي في الدنيا والأمن المعنوي الذي هو الهداية ما يمن الله به عليه ليحصل له الأمن التام يوم القيامة، ورأس أمر الدين هو التوحيد وذروة سنامه هو الجهاد فمن كان من أهل الرأس والذروة (التوحيد والجهاد) ، واهتم بهما وقدّمهما على غيرهما فهو أولى الناس بالأمن، وإن كان لابد أن يمرّ به شيءُ من الخوف (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ) البقرة/155 إلا أنه خوف مشوب بأمنة (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا) آل عمران /154 وهو عرض زائل، وتعقبه لذّة ونعيم، ومعه يذهب الله الهم والغم كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه للجهاد بأنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، بخلاف الأمن الحسي الذي يسعى له المبطلون من دعاة السوء، الأمن الخالي من الهداية، الأمن من الفقر أو الجوع أو القتل فهو ليس بأمن في الحقيقة إذ لم يصاحبه هداية، بل صاحبه قلق رغم توفّر المتاع، وكثرة النعم، وزوال موجبات الخوف، فحالهم كحال الذين قال الله فيهم (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آل عمران /154، مساكين هؤلاء الذين ينظرون بمنظار أهل الدنيا، مهما ظنّوا أنفسهم من أهل الخير والصلاح، يرون الأمن أكلًا وشربًا وراحةً ونعيمًا ولو على حساب الدين، ومن هنا تنشأ عندهم التعارضات، وتتجاذبهم المتضادات، فإذا خيّروا بين النعمة والنعيم، والظل الظليل، في ظل حكم الحكومات المرتدة الحاكمة بالقوانين الوضعية، الموالية لليهود والنصارى، وبين ذلك الشيء القليل من الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات الذي هو من لازم طريق المرسلين، وسمة الغرباء الموحدين المجاهدين لم يجدوا في أنفسهم حرجًا من إيثار العاجلة، والزهد في الباقية، وشمّروا عن ساعد الجدّ ليقولوا لأعداء الدين من الطغاة الماردين "نحن معكم، وكلّنا نسعى لمصلحة الوطن" ولا ينسون بعد ذلك أن يروجوا باطلهم بأن حرصهم على الأمن ليس تثاقلًا إلى الأرض، ولا إخلادًا إلى الشهوات بل حرصًا على مصلحة الدعوة!! كم ظلمت هذه الدعوة وشوهت وكم علقت عليها انتكاسات، وروّجت باسمها سوءات.
طريق الدعوة والجهاد طريقٌ شائكٌ فالجنّة حفت بالمكاره، ودربٌ فيه خوفٌ لكنه آمن فـ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام /81 - 82.