قلنا لهم كذبتم فهل لا يطبقونه ولا يعملون به والصليب يرفع فوق الكنائس والأجراس تدق في بلاد المسلمين والإسلام فكيف تدعون أنهم يقاتلون من أجله، فإن قالوا الدفاع عن الأوطان، قلنا لهم: هذا هو جهاد الدفع، فلم لم تشترطوه لهم واشترطوه على غيرهم
من ذلك تعلم أخي أن الجهاد القائم الآن للدفاع عن الدين والمقدسات والأعراض إنما
هو جهاد دفع لا جهاد طلب وفي شروطه تفصيل فإن داهم العدو بلاد المسلمين، وكان لهم إمام متبع قائم بحكم الله وشرعه، فيجب حينئذ الانقياد له وعدم الخروج عليه، حتى لا تعم الفوضى، ويؤتى من قبلهم،
أما والحال كما هو الآن في البلاد التي اعتدى عليها الكفار ولا إمام عندهم
، فإن تلك الجماعات التي تجاهد الأعداء، وتدافع عن الأعراض والمقدسات قد جعلوا لهم أمراء يجب إتباعهم وعدم الخروج عليهم
ما لم يفاجئهم العدو ولم يكن لهم القدرة على استئذان الأمير فحينئذ لا يلزم انتظار إذنه
قال عبد الله بن الإمام أحمد في مسائله: سمعتُ أبي يقول: إذا أذن الإمامُ، القومُ يأتيهم النفير فلا بأس أن يخرجوا
قلتُ لأبي: فإن خرجوا بغير إذن الإمام؟ قال: لا، إلا أن يأذن الإمام، إلا
أن يكون يفاجئهم أمرٌ مِن العدو ولا يُمكِنُهم أن يستأذنوا الإمام فأرجو أن يكون
". ذلك دفعًا مِن المسلمين"
فمن داهمه العدو في بلاده أو مكانه يدافع عن نفسه وماله وعرضه ووطنه ودينه
لا ينتظر إذن إمام إن لم يجده أو لا يتسع الوقت لاستئذانه، ولا يشترط استئذان الوالدين
أو من كان له دين عليه، وعلى المسلمين نصرته، أما من داهمه العدو وعنده إمام مسلم
وإن كان فاجرا يجب الانقياد له وعدم الخروج عليه والقتال معه
يقول ابن قدامة كما في المغني: إذا جاء العدو، صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يَجُز لأحدٍ التخلف عنه، فإذا ثبت هذا، فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو، وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين،
إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين