الصفحة 15 من 207

غَيْرَ أن الطالِبَ لا يَسَعُهُ أن يَصْنَعَ هذا أولَ الطلَب، خاصَّةً وأنَّ مِنْها ما نَصَرَ مُصَنِّفُوها أقوالَ أهْلِ البِدَعِ في الاعْتِقاداتِ؛ كَما صَنعَ الزمَخْشَرِي في الكشافِ بِنَصْرَتِهِ أقوالَ المُعْتَزِلَة؛ حتى قالَ الإمامُ أبو حيان: أخْرَجْتُ الاعْتِزالَ مِن كِتابِهِ بالمَناقِيش!، وكما صَنَعَ البيْضاوِيُّ في تَفْسيرِهِ حيثُ أدرَجَ فيهِ عقائِدَ الأشاعِرَةِ مَعَ كَثْرَةِ فَوائِدِ الكتاب.

والواجِبُ عَلى الطالِبِ أن يَبْدَأَ بالتَفاسيرِ التي نصرَتْ مذاهِبَ أهلِ السنَّةِ، ومِن أحْسَنِها تَفْسيرُ ابنِ كثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ على هَناتٍ فيه، ومَعَ ذلكَ فأرى أن البدْءَ بهِ عَسِرٌ على المُبْتَدئِ لأنَّهُ طَوَّلَهُ بالأسانِيدِ وبَعْضِ الاستطراداتِ في المباحِثِ الفِقْهِيَّةِ التي لا تُناسِبُ المُبْتَدِئين؛ معَ ما في كِتابِهِ مِنْ شَوبِ الاسرائِيلِيَّاتِ التي لَم يَسْلَم مِنها على جلالَةِ قدْرِهِ رحِمَهُ الله.

فأحْسَنُ ما يَبْدَأُ بِهِ الطالِبُ هُوَ مَعْرِفَةُ غَريبِ القرْآنِ بالاسْتِعانَةِ بِما صُنِّفَ فِيه مِن الكُتب؛ ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَى مَن تَيسَّرَ مِن الشيُوخِ كُتُبَ التفْسيرِ مِن صِحيحِ البخارِيِّ فإنْ ضَمَّ إلَيْهِ شَرْحَ الحافِظِ فَحَسَنٌ؛ ومِنْ صحيحِ الإمامِ مُسْلَمٍ رَحِمَهُ الله، ومِن السنَنِ الكُبْرَى للنسائِيِّ؛ ومِنْ زَوائِدِ المُسْنَدِ للهَيْثَمِيِّ رَحِمَ اللهُ الجَميع؛ وكلُّ ذلكَ بُغْيَةَ الاطلاعِ عَلى طَرِيقَةِ المُحَدِّثينَ أولًا.

ثُمَّ يَعْكِفُ عَلى مُخْتَصَرٍ من مُخْتَصَراتِ التفْسير، ولَوْ كانَ عُمْدَةُ التفْسيرِ للعلامَةِ أحمدَ بنِ مُحمد شاكر كامِلًا لَمْ أقدِّمْ علَيْهِ سواه؛ فإنَّ للكِتابِ كَثَيرًا من الاخِتِصارَاتِ؛ وإنَّما الكتابُ بِمَن اخْتَصَرَه؛ والشيخُ رَحِمَهُ اللهُ جَمَعَ إلى إتْقانِهِ عُلُومَ الآلَةِ كَوْنَهُ سَلَفِيَّ العَقِيدَةِ؛ مَعَ الانْشِغالِ الواسِعِ بِعُلُومِ الحَديث!؛ فَلْيَعْدِلِ الطالِبُ إذنْ إلى كتابِ المصباحِ المُنِيرِ فِي تهْذيبِ تَفْسيرِ ابنِ كثير؛ للمُباركْفُورِيِّ رَحِمَهُ الله، فإنهُ حسنُ التهْذيبِ واضحُ العبارة قَرِيبُ المُجْتَنَى؛ وقَدْ اسْتَشَرْتُ فيه بَعْضَ شُيُوخِنا مِمَّنْ حازَ في هذا الفَنِّ شَاوًا بعِيدًا فأثْنَى عَلَيهِ؛ وفَضَّلَهُ على تَفْسيرِ السعْدِي رَحِمَ اللهُ الجَمِيع؛ وفِي كُلٍّ خَيْر، نَعَمْ وتَفْسيرُ الجلالَينِ حَسنٌ جِدًا وهُوَ جَزْلُ العِبارَةِ دَقِيقُ الاخْتيار؛ لكنْ لا بُدَّ للطالِبِ مِنْ أستاذٍ يُنَبِّهُهُ عَلى مَواضِعِ الخطأ فيه؛ في الأسماءِ والصفاتِ خاصَّةً.

فإنْ استَوْعَبَ عِبارَةَ المُخْتَصَرِ فَلْيَعُدْ بَعْدَ ذلكَ إلى الأصْلِ وليَقْرَاهُ بِتَمامَهِ معَ الاسْتِعانَةِ بِمطالَعَةِ تَفْسيرِ ابنِ جَريرٍ رَحِمَهُ الله.

فإن استَطاعَ بَعْدَ ذلكَ أنْ يَقْرأَ عَلَى الشيوخِ كُتُبًا أو أجزاءً في مَناهِجِ التفْسيرِ الأخْرى كالبَيضاوِيِّ؛ وعَلَيهِ كثيرٌ من الحواشي والشروح؛ ومِنْ أحْسَنِها حاشِيَةُ شَيْخ زاده؛ ومِثْلِ أحْكامِ القرآنِ لابنِ العَرَبِيِّ، ونَحْوِها، فإن لمْ يَقْدِرْ على قِراءَةِ هذه الكتُبِ بِتَمامِها فَلْيَقْرا سُورَةَ البقَرَةِ مِنها؛ فقد كانوا يُقُولون: مَنْ قَرأَ تَفْسيرَ البقَرَة فكأنَّما قَرَأَ تَفْسيرَ القرآنِ كُلَّه.

وفِي الكلامِ عَلى مَنْهَجِ دِراسَةِ التفْسيرِ طولٌ ليسَ هذا مَوْضِعَهُ؛ وباللهِ التوفيق.

كان الله له

وكتبَه: أبو الوليد الغزي الأنصاريّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت