الصفحة 3 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمن الرحيم

الفَرْقُ بَيْنَ الحُلُمِ والرُّؤْيا

رقم الفتْوى: 91/ 1/9173

وسُئِلَ - جَمَّلَهُ اللهُ بِسِتْرهِ - مِرارًا عن الفَرْقِ بَينَ الرُّؤْيا والحُلْم؛ وكيفَ يُمْكنُ معرِفَةُ ذلك؟.

فَأجاب:

الحَمْدُ للهِ؛ وبعد:

فالفَرْقُ بَينَهُما أشارَ إلَيْهِ النبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ بَقَوْلِهِ في حديثِ أبِي قَتادَةَ الذي رَواهُ البخارِيُّ وغَيْرُهُ: (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) ، وقَوْلِهِ فِي حَديثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي وهُو عِندَ البُخارِيِّ أيْضا: (إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ اللَّهِ؛ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا؛ وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا؛ وَلاَ يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ؛ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ) ، وفِي رِوايَةٍ لَهُ مِن حَديثِ أبِي قَتادَةَ أيْضا: (فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمُ الْحُلْمَ يَكْرَهُهُ؛ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ؛ فَلَنْ يَضُرَّهُ) ، ولهُ من حَديثِهِ أيضا: (وَلْيَتْفِلْ ثَلاَثًا) .

قَالَ الحافِظُ فِي الفَتْح: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا سَيَاتِي فِي بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه؛ ... (الرُّؤْيَا الْحَسَنَة مِنْ اللَّه) ، وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه (الصَّالِحَة) . انْتَهى.

فَيُعْلَمُ مِن هذه الأحاديثِ جُمْلَةٌ مِن الفُرُوقِ بَيْنَهما:

الأَوَّل: أنَّ الرَّؤْيا التِي مِن اللهِ تعالَى هِي الرَّؤيا الصالِحَةُ الحَسَنَة؛ ولا مَدْخَلَ للشيطانِ فِيها؛ وإضافَتُها إلَى اللهِ تعالَى إضافَةُ تَشريفٍ وتَعْظِيم، وإنْ كانَ الكُلُّ بالنسْبَةِ إلَى الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ من اللهِ تعَالَى، وإنَّما أُضِيفَت الأُخْرَى إِلَى الشَّيْطَان لِكَوْنِهَا عَلَى هَوَاهُ وَمُرَاده، وَلأَنَّها مَخْلُوقَة عَلَى شَاكِلَتِهِ؛ فَأَعْلَمَ النَّاس بِكَيْدِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى دَفْعه لِئَلاَّ يُبَلِّغُوهُ أَرَبَهُ فِي تَحْزِينهمْ وَالتَّهْوِيل عَلَيْهِمْ.

الثانِي: أَنَّ عَلامَةَ الرُّؤْيا سُرُورُ العَبْدِ بِها، وانْشِراحُ النفْسِ لَها، والتِي مِن الشيطانِ لَيْسَت كَذلك.

لكِنْ هَهُنا أَمْرٌ آخَر؛ وهُوَ أنَّ الرائِيَ قَدْ يَسْتَشْكِلُ بَعْضَ ما يَرَى؛ فَيَحْسَبُهُ مِن الشيطانِ ولَيْسَ كذلك، كَمَنْ يَرَى أنَّهُ يُجامِعُ بَعْضَ مَحارِمِهِ مِن النِّساءِ، فَإِنَّهُ فِي التَّعْبِيرِ بِرٌّ وصِلَةُ رَحِمٍ إذا كانَ الرائِي بَرًّا صالِحًا، لا إنْ كانَ عاقًّا فاسِقا؛ وبِهِ يُجْمَعُ بَينَ اخْتِلافِ المُعَبِّرينَ فِي هذا؛ واللهُ أعلم، وكذلكَ مَن نَكَحَ أَباهُ فِي المَنام، والعاقُّ لا يَرَى مِثْلَ هذا، فإنْ رَآهُ دَلَّ عَلَى أنَّهُ يَتُوبُ مِن العُقُوق، وإنْ كانَ ذلكَ مَعَ عَدُوٍّ فَإنَّهُ يَظْفَرُ بَعَدُوِّه، فَإنْ اسْتَفْتَى الرائِي فَيما يُشْكِلُ علَيْهِ مِن الرُّؤْيا فِي مَثْلِ هذه الأَحْوالِ فَلا حَرَجَ علَيْهِ، وإِنَّما المَنْهِيُّ عَن التَّحْدِيثِ بِهِ ما يَكْرَهَهُ مِنْها ولا تَطْمَئِنُّ لَهُ نَفْسُهُ، لا ما أَشْكَلَ عَلَيْهِ فَهْمُهُ، ولذا وَرَدَ فِي الأحاديثِ الإرْشادُ إلَى صِفَةِ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ الرُّؤْيا، فَوقَعَ عِنْد مُسْلِم: فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ مَا يُحِبّ فَلاَ يُخْبِر بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبّ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه: فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَة فَلْيَبْشُرْ (بِضَمِّ الشينِ من البُشْرَى) وَلاَ يُخْبِر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت