الصفحة 43 من 207

بسمِ اللهِ الرحمَنِ الرحِيم.

هل يَجُوزُ قُبولُ التعْوِيضِ المالِيِّ عنِ الأرْضِ والوطنِ؟.

رقمُ الفَتْوى: 100/ 24/5731

وسُئلَ عن المبالغِ المالِيّةِ التِي تَدْفَعُها بعضُ الهَيئاتِ الدولِيَّةِ للاجِئِينَ والمهاجِرِينَ من الفلسطِينِيِّينَ أو غَيرِهِم؛ حَيثُ يكونُ ثَمَنُ ذلكَ تَنازُلَ المهاجِرِ عن حَقِّهِ فِي العَودَةِ إلَى بِلادِهِ؛ أو الرّضا بِبَقاءِ المُحْتَلِّ فِيها، هل يَجُوزُ قُبُولُ هذهِ الأمْوالِ والتعْوِيضاتِ، أفيدونا مأجورينَ نفعَ اللهُ بكمْ؟.

فَأجاب:

الحمدُ للهِ؛ والصلاةُ والسلامُ عَلَى رًسولِ اللهِ؛ أما بعدُ:

فَلا يَجُوزُ البَتَّةَ قُبولُ التعْويضاتِ والأمْوالِ المَذكُورَةِ قَوْلًا واحِدًا، لأنَّها إِنَّما جُعِلَتْ فِي مُقابِلِ التّنازُلِ عن بِلادِ الإسلامِ، وهذا والبَيْعُ شَيءٌ واحِدٌ لا يَفْتَرِقانِ، وبِلادُ المُسْلِمينَ لَيْسَتْ مِلْكًا لأحَدٍ؛ سَواءٌ كانَ حاكِمًا أو مَحْكُومًا؛ ولَو أنّ حاكِمًا تَصَرَّفَ فِي شَيءٍ مِنْها بِهِبَةٍ لِعَدُوٍّ؛ أو تَنازُلٍ عَنها بِعِوَضٍ أو بِغَيرِ عِوَضٍ، كانَ تَصَرُّفًا باطِلًا شَرْعًا، وكُلُّ ما كانَ باطِلًا شَرْعًا فَلا نَفاذَ لَهُ؛ ولا يَحِلُّ لأحَدٍ من الخَلْقِ أن يَلْتَزِمَ بِهِ، بلْ كانَتْ مِثْلُ هَذهِ الصَنائِعِ مِنْ بَعْضِ مُلوكِ الأكرادِ فِي الشامِ؛ وبَعْضِ مُلُوكِ الطوائفِ فِي الأنْدلُسِ؛ وفِي بِلادِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ؛ وغَيرِها من بِلادِ الإسلامِ مِن أعْظَمِ ما أوْهَنَ شَوْكَةَ المُسْلمينَ، وفَتاوَى العُلَماءِ فِي تَشْدِيدِ النكِيرِ عَلى مَن فَعَلَ ذلكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ كما وَقَعَ لَمّا اسْتَنْجدَ سُلطانُ المَغْرِبِ الأقْصا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ السعْدِيُّ بِقائِدِ البُرْتُغالِ (سِبْسْتِيان) وطَلَبَ مِنْهُ إعانَتَهُ علَى قِتالِ عَمِّهِ أبِي مَرْوانَ المُعْتَصِمِ؛ مُقابِلَ تَنازُلِ السْطانِ للطاغِيَةِ البُرْتُغالِيِّ عَن سَواحِلِ المَغْرِبِ!، فاجْتَمَعَ العُلَماءُ علَى خَلْعِ السلطانِ المَذكُورِ ومُبايَعَةِ عَمِّهِ أبِي مرْوانَ.

ثُمَّ إنَّ هذا الصنِيعَ بالتّنازُلِ عَن أرْضِ الإسلامِ أو شَيءٍ مِنْها إنْ كانَ مَعَ مَحَبَّةِ الكَفَرَةِ والرضا بِتَسلُّطِهِم عَلى بِلادِ الإسلامِ فَذلكَ كُفْرٌ ورِدَّةٌ عن دِينِ الإسلامِ، ومِثْلُهُ الإقرارُ وَالرّضا بِسِيادَةِ العَدُوِّ علَى بِلادِ الإسلامِ، وإنْ كانَ رَغْبَةً فِي الدنْيا وطَمَعًا فِي المالِ فَهُوَ خِيانَةٌ للهِ ولِرَسولِهِ صلّى اللهُ عَلِيهِ وسلّمَ ولأُمةِ المسلِمينَ مِن جِهَةٍ، وعُدْوانٌ عَلى حُقوقِ المُسْلمينَ من جِهَةٍ أُخْرى، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ من عَلماءِ الإسلامِ علَى حُرْمَةِ النتازُلِ للعَدُوِّ عن شَيءٍ من بلادِ الإسلامِ وتمكِينِهِ منها، وما مِن آيَةٍ أو حَدِيثٍ يَدُلاَّنِ عَلى حُرْمَةِ تَولِّي الكافِرِينَ إلا وهِي دالّةٌ علَى حُرْمَةِ قُبولِ هذهِ التعويضاتِ مُقابِلَ التنازُلِ عن البِلادِ؛ وذلكَ يَستَلْزِمُ تَعْطِيلَ البلادِ الإسلامِيَّةِ مِن التوحِيدِ؛ وإِعْمارَها بالكُفْرِ والتَنْدِيدِ!، بل الواجِبُ علَى كافَّةِ المُسْلمينَ التعاضُدُ والتناصُرُ عَلى إخْراجِ العَدُوِّ من بلادِ المسلمينَ، ولَيسَ عَجْزُ طائفَةٍ من الأُمَّةِ أوْ قُعُودُ بَعْضِها فِي زَمَنٍ مِن الأزْمَنَةٍ أو مَكانٍ من الأمْكِنَةٍ عَن القِيامِ بِذلكَ حُجّةً لِقُعُودِ جمِيعِها عَن الفَرْضِ المَذكُورِ إلَى يَومِ الدّينِ، ولَيسَ لأحدٍ كائِنًا مَن كانَ أنْ يَتَنازَلَ عن حَقّ لا يَمْلِكُهُ؛ فَكَيفَ بِحَقّ هو للهِ تعالَى أوّلًا ثُمّ لأمّةِ الإسلامِ ثانِيًا؟!.

وليْسَ لأحَدٍ أنْ يُعَطِّلَ فَرِيضَةً الجِهادِ لاستِنْقاذِ بِلادِ الإسلامِ ما دامَتْ عِلَّةُ الفرِيضَةِ قائِمَةً مَوجُودَةً؛ وهِي احتِلالُ الكُفْرِ لِبَلْدَةٍ من بِلادِ المُسْلمينَ، وهذا التكلِيفُ مُوجَّهٌ إلَى الأمَراءِ والحكامِ نِيابَةً عن الأمَّةِ؛ فإنْ عَطَّلُوا هذه الفريضَةَ - كما هُو الحالُ اليَومَ - وجَبَ عَلى أهْلِ الحَلِّ والعقْدِ وكافّةِ المُسلِمينَ حَمْلُهُم عَلَيها وإلجاؤُهُم إلَى القِيامِ بِها؛ فإنَّ الحاكِمَ بِمَنْزِلَةِ الوكِيلِ مِنَ المُوكِّلِ؛ إنَّما يَتَصرَّفُ بما فِيهِ مَصْلَحَةُ الرعِيَّةِ الذِينَ هُمْ أهْلُ الإسلامِ، لا أنْ يَصْنَعَ بِبِلادِ الإسلامِ ما شاءَ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت