الصفحة 68 من 207

بِسم اللهِ الرحْمَنِ الرحيم.

حُكْمُ تَشْرِيعِ القوانِينِ الوَضْعِيّةِ

رقم الفتوى: 97/ 311/354

وفِيما كتبَ إليهِ بعضُ الطلَبَةِ قَولُهُ: رأيْتُ فِي بَعْضِ المواضعِ من يقولُ: إنّ التشريعَ كانَ مَعْروفاُ فِي زمَنِ السلفِ من الصحابَةِ ومن بعدَهُم رضي اللهُ عنهم؛ ومع ذلكَ فالمنْقولُ عنهمْ عدمُ تكفِيرِ من فعلَ ذلكَ إلا إن كانَ مستَحلاّ له؛ واستدلّ على هذا بما رواهُ مسلمٌ من حديثِ البراءِ بن عازِبٍ في قصة اليهودِي المحمومِ المجلودِ؛ وفيه قولُهم: فَلْنَجْتَمِعْ علَى شَيءٍ نُقِيمُهُ علَى الشريفِ والوَضِيعِ؛ فاجْتَمَعْنَا علَى التّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرّجْمِ.

قال: فهذا تشريعٌ عامٌّ، وقد كانَ معروفًا عندهم ومع هذا لمْ يقُلْ أحدٌ من السلفِ من الصحابَةِ والتابعينَ بكُفْرِ فاعلِ ذلكَ؛ بل صرّحَ غيرُ واحدٍ بردّهِ؛ كما دلّ عليهِ أثرُ ابنِ عباسٍ وغيرُهُ؛ وكما يُعْرَفُ من النظرِ في أقوال المفسرينَ.

فهلْ قولُهُ هذا صحيح أم لا؛ وما الجوابُ عنهُ إن قلْتُم بالثانِي؟.

فأجاب:

الحمدُ للهِ أما بعدُ:

فالظاهِرُ صِحّةُ ما ذكرَهُ القائلُ مِن أن تواطُؤَ اليَهُودِ على التحْمِيمِ والجلْدِ مكانَ الرجْمِ كانَ من قَبيلِ التشريعِ، سلّمْنا؛ أما أنْ يُرَتّبَ علَى ذلكَ ما ذُكِرَ في السؤالِ مِن أنّ التشريعَ كانَ معروفًا عندَ السلفِ ومع هذا لم يَحكموا بِكُفْرِ فاعِلِهِ؛ فَغَيرُ صَحيحٍ مِن وُجُوهٍ:

الأَوّل: أنّ الآيةَ صريحَةٌ في تسمِيةِ الفعِلِ المذكورِ كُفْرًا؛ كما صَحَّ فِي سبَبِ نُزولِها عِندَ أبي داودَ في السننِ من حدِيثِ البراءِ بن عازِبٍ رضِي اللهُ عنه؛ وفيه: فَقالَ رَسولُ الله صلّى اللهُ علَيهِ وَسلّم: اللهُمَّ إنّي أَوّلُ مَنْ أَحْيا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ؛ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزّ وَجلّ: (يا أَيّها الرّسولُ لا يَحْزُنْكَ الذينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ) ؛ وقد رَوى أحمدُ والطبرانِي فِي المعْجَمِ فِي سَبَبِ نُزُولِها خبرًا آخَرَ عن ابنِ عباسٍ رضِي اللهُ عنهُ وأنها في طائفَتَينِ من اليَهُودِ إحداهما قَهَرَتِ الأُخْرى؛ حتّى اصطَلَحُوا على أنّ دِيَةَ قَتيلِ العَزِيزَةِ مائةُ وسقٍ وديةَ قتيلِ الذلِيلِةِ حُمسونُ وسْقًا؛ فَلمّا جاءَ الإسلامُ أرادَتِ العزِيزَةُ أن تنظُرَ فِي حكمِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ؛ فقالُوا: دُسُّوا إِلَى مُحَمّدٍ مَنْ يُخْبِرُ لَكُمْ رَايَهُ، إِنْ أَعْطاكُمْ مَا تُريدُونَ حَكّمْتُمُوهُ؛ وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ فَلَمْ تُحَكّمُوهُ!!، فأنزلَ اللهُ تعالَى الآياتِ المذكُورَةَ إلى قَولِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} .

وقد ذكرَ الألبانِيُّ رحمَهُ اللهُ خَبرَ ابنِ عباسٍ رضِي اللهُ عنهُ فِي السلسلةِ الصحيحَةِ؛ وعلّقَ علَيهِ بِكلامٍ طويلٍ جانَبَهُ الصوابُ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ؛ ونأتِي بالجَوابِ عَنهُ فِي موْضِعٍ آخَرَ إن شاء الله؛ وفِيما نذكرُهُ فِي هذا الموضِعٍ جَوابٌ عنْ بَعْضِهِ أيضًا.

الثانِي: أنّ الأدلّةَ القاطِعَةَ بِكَونِ مُضاهاةِ اللهِ تعالَى في الشريعِ شِرْكًا باللهِ فِي حُكْمِهِ وكُفْرًا ناقلًا عن مِلّةِ الإسلامِ كَثِيرَةٌ فِي كتابِ اللهِ تعالَى؛ وهِي من المُحْكَمِ الذِي يَجِبُ رَدُّ المُتشابِهِ إلَيهِ؛ وهذا هُو شأنُ الراسِخِينَ فِي العِلمِ؛ فإن كانَ فِي المُنقولِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت