الصفحة 4 من 207

إِلاَّ مَنْ يُحِبّ، وَفِي حَدِيث أَبِي رَزِين عِنْد التِّرْمِذِيّ: وَلاَ يَقُصَّهَا إِلاَّ عَلَى وَادٍّ، بِتَشْدِيدِ الدَّال اِسْم فَاعِل مِنْ الْوُدّ، أَوْ ذِي رَاي، وَفِي أُخْرَى: وَلاَ يُحَدِّث بِهَا إِلاَّ لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا، وَفِي أُخْرَى: وَلاَ يَقُصّ الرُّؤْيَا إِلاَّ عَلَى عَالِم أَوْ نَاصِح.

فَجُمْلَةُ هَذه الأَوْصافِ: أنْ يَكُونَ حَبِيبًا؛ وادًّا؛ ذا رَايٍ؛ لَبِيبًا؛ عالِما؛ ناصِحًا.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: أَمَّا الْعَالِم فَإِنَّهُ يُؤَوِّلُهَا لَهُ عَلَى الْخَيْر مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَأَمَّا النَّاصِح فَإِنَّهُ يُرْشِدُ إِلَى مَا يَنْفَعهُ وَيُعِينهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اللَّبِيبُ؛ وَهُوَ الْعَارِف بِتَاوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمهُ بِمَا يُعَوَّل عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُت، وَأَمَّا الْحَبِيبُ فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ. نَقَلَهُ عَنْهُ الحافِطُ فِي الفَتْح.

فائِدَة: ذكَرَ ابنُ القيمِ فِي إعلامِ المُوقِّعِينَ فِي مَبْحَثِ سَدِّ الذرائِعِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّحْدِيثِ بالمَكْرُوهِ مِنَ الرُّؤْيا لأَنّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى انْتِقَالِها مِنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ اللفْظِيِّ إِلَى مَرْتَبَةِ الوُجُودِ الخَارِجِيِّ؛ كَمَا انْتَقَلَتْ مِنَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ إِلَى اللّفْظِيِّ، وَهَكَذَا عَامَّةُ الأُمُورِ تَكُونُ فِي الذِّهْنِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى الحِسِّ، وَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ سَدِّ الذّرَائِعِ. انْتَهى.

قالَ كاتِبُهُ عَفا اللهُ عَنْه: الرُّؤْيا قِسْمانِ: بِشارَةٌ؛ ونَذارَة، كما ذكَرُ ابنُ شاهِينٍ فِي الإشَارَات، فَإنْ كانَ مَنْ يُحَدَّثُ (بِفَتْحِ الدال) بالرُّؤيا مُحِبا وادًّا أُمِنَ مِنْهُ الحَسَدُ والكَيْدُ كما وقَعَ لِيُوسُفَ لما أمَرَهُ أبُوهُ علَيهِما السلامُ بكَتْمِ الرؤيا عَن إخْوتَهِ خَشْيَةَ ذلك، وإنْ كانَ عاقِلًا ناصِحًا وفِي الرُّؤيا ما يُحْذَرُ نَبهَّهُ إلَيْهِ فاحْتاطَ لِدينِهِ ونَفْسهِ، قالَ ابنُ شاهِين: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَبِّرُ ذَا حَذَاقَةٍ وَفِطْنَةٍ؛ صَدُوقًا فِي كَلامِهِ؛ حَسَنًا فِي أَفْعَالِهِ؛ مُشْتَهِرًا بالدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ بِحَيْْثُ لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِيمَا يُعَبِّرُهُ لِشُهْرَةِ صِدْقِهِ. انتَهى.

قُلْتُ: ومِنْ شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ أمِينًا أيضًا؛ حَتَّى لا يُشَهِّرَ بالرائِي إنْ كانَ هُناكَ ما يَحْتاجُ إلَى السَّتْرِ.

ثُمَّ إنَّ ذلكَ يَخْتَلِفُ بِحًسْبِ حالِ الرائِي؛ فَرُبَّ شَيْءٍ كُرِهَ فِي حَقِّ راءٍ ولَيسَ مثكْرُوها فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وعَلَى المُعَبِّرِ أنْ يَتَيَقَّظَ لِذلكَ، كَمَا وَقَعَ لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي اللهُ عَنْه فِيما أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحّحَهُ الحافِظُ فِي الفَتْحِ عَنْ مَسْرُوق قَالَ: مَرَّ صُهَيْبٌ بِأَبِي بَكْر فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ يَدَكَ مَغْلُولَةً عَلَى بَابِ أَبِي الْحَشْرِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَار، فَقَالَ أَبُو بَكْر: جَمَعَ لِي دَيْنِي إِلَى يَوْم الْحَشْر!.

وإِنَّما أَعْرَضَ عَنْهُ أَولًا لأَنَّ الغلَّ فِي المَنامِ مَكْرُوه؛ فإنَّهُ رُبَّما عَبِّرَ بالكُفْرِ؛ أو العَذابِ؛ أَوْ العقُوبَةِ؛ أو القَهْرِ؛ أو الذُّلِّ؛ أو المَرْأةِ السوءِ؛ أو السِّجْنِ؛ أو شِدَّةِ الحالِ؛ أو البُخْلِ، ونَحْوِ هذا عافانا اللهُ مِنه، قالَ المَناوِيُّ فِي فَيْضِ القَدير: وَقَدْ يَكُونُ ذَلكَ فِي دِينِهِ؛ كَوَاجِبَاتٍ فَرَّطَ فِيهَا، أَوْ مَعَاصِي اقْتَرَفَهَا، أَوْ حُقُوقٍ لازِمَةٍ أَضَاعَهَا مَعَ القُدْرَةِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي دُنْياهُ كَشِدَّةٍ تَعْتَرِيهِ وَبَلِيَّةٌ. انتهى.

ولَمْ يَكُن الغُلُّ فِي حَقِّ أبِي بَكْرٍ شَيْئًا مِن ذلكَ لَما عُرِفَ مِن حالِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْه.

وقَدْ يَقَعُ للرائِي أَحْوالٌ فِي اليَقَظَةِ يَتَخَيَّلُها عَلَى وَجْهٍ مِن الوُجُوهِ فَيراها فِي المَنامِ علَى ذلكَ الوَجْهِ، كالمَرْأَةِ التِي لَها ضَرائِرُ فَتَرَى فِي المَنامَ أَنَّهُ دَخَلَ دارَهَا عَقْرَبٌ أوْ حَيَّةٌ أو وَزَغٌ أو نَحْوُ هذا؛ فَلَيْسَ هُوَ مِن الرؤْيا؛ بل ذلكَ مِن حَديثِ النَّفْسِ لِما عُرِفَ مِن حالِ الضَّرائرِ فِيما بَينَهُن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت