ومِن المناسِبِ فِي هذا المقامِ أنْ نذكُرَ أنّ أحكامَ الشرِيعَةِ المُطَهّرَةِ يكَمّلُ بعضُها بَعضًا، وتلتَقِي كلها على مَقْصَدٍ واحِدٍ وغايَةٍ عُظْمَى هِي سَعادَةُ البشريةِ فِي الدارَين، فإنّ الشريعَةَ لما كانتْ شريعَةَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ؛ وكانتِ الأمةُ بأسرِها أمةً مجاهِدَةً؛ أو هكذا يجبُ أن تكونَ, كانَ هذا مِما يُعَرّضُ أبْناءَها لِخَطَرِ القَتْلِ علَى عِظَمِ أجْرِهِ عندَ اللهِ تعالى، لكنّ هذا لا يُنافِي أن تَجْرِيَ أحوالُ الأمّةِ وَفْقَ السنَنِ الكَونِيّةِ القَدَرِيّةِ، فَتَتخِذَ من الأسبابِ ما يَقِيها شرَّ هذهِ الأخْطارِ, فإنّ الأُمَمَ إنما تَقومُ على ثلاثَةِ أركان: العلمِ؛ والمالِ؛ والرجال، والحَرْبُ مَظِنّةٌ لِهَلاكِ الرجالِ كما لا يَخْفَى، فناسَبَ هذا ما جاءَ بهِ الشرْعِ من الحثِّ على النكاحِ والتحريضِ علَيهِ؛ بلْ ومِن الإكثارِ مِنهُ مَعَ القُدْرَةِ علَيهِ؛ والعَدْلِ، وأمْنِ الجَورِ.
وبِهَذا تَتَضِحُ غايَةُ المُفْسِدِينَ مِن الدّعْوَةِ إلَى تَحْدِيدِ النسلِ التِي يُرَوّجُونَ لَها ويَدْعُونَ إلَيها، فَهذا مَعَ تَعطِيلِ الجِهادِ مِما يُفْضِي إلَى أشَدِّ الضعْفِ والهَوانِ، ونِهايَةُ الغرابَةِ أنْ يَحتجُوا لَترْوِيجِ هذه الدعْوَةِ بينَ المسلمينَ بِما هُوَ مِن أعظَمِ الحُجَجِ لأهْلِ الإسلامِ، فإنّهُم يَزْعُمونَ أنّ من أسبابِ هذهِ الدعْوَةِ مُشْكِلَةَ الفَقْرِ التِي تُهَدِّدُ العالَمَ عامَةً والإسلامِيَّ مِنهُ علَى وَجْهِ الخُصوصِ، والجَوابُ أنّ الجِهادَ فِي سَبلِ اللهِ؛ وتكْثِيرَ الذريّةِ التِي تُعِينُ علَيهِ مِن أعْظَمِ الوسائلِ لِمُحارَبَةِ الفَقْرِ؛ لا فِي العالَمِ الإسلامِيِّ وحْدَهُ بلْ فِي العالَمِ بأسْرِهِ، كما سَنُبَيِّنُهُ فِي موضِعٍ آخَرَ إن شاء اللهُ تعالَى؛ بالراهِينَ النقلِيةِ والعَقْلِيةِ والحقائقِ التارِيخِيةِ إن شاء الله تعالى.
ومَن نَوَى بالنكاحِ من المُهاجِرِينَ المجاهِدِينَ مُصاهَرَةَ القَوْمِ مِن أهلِ البِلادِ, ليَكُونُوا لهُ علَى الدعْوَةِ أنصارًا وأعوانًا, ولَيكُونَ فِي كَنَفِهِمْ بَعْدَ حَفظِ اللهِ تعالَى، فَهُو أعْظَمُ أجرًا معَ إخلاصِ النيةِ إن شاء الله، لكِنْ علَيهِ أن يَتوسّلَ إلى ذلكَ بِحُسْنِ الاخْتِيارِ, ولَيحْذرْ عاقِبَةَ الإقْدامِ علَى مُصاهَرَةِ العامّةِ من الناسِ، وإنّما يَحْسُنُ مَوقِعُ الأثَرِ بِمُصاهَرَةِ الأكابِرِ مِنْهُم، والدينُ والخُلُقُ مُقَدَّمٌ معَ هذا كُلّهِ.
ويَنْبَغِي الحَذرُ مِن الزّواجاتِ التي راجَتْ بَينَ الناسِ؛ وهِي عظِيمَةُ الضرَرِ علَيهِم، ومُنافِيَةٌ أعظَمَ المنافاةِ للغاياتِ الحميدَةِ المذكورَةِ، كالزواجِ بِنِيّةِ الطلاقِ؛ وما يُعْرَفُ بِزواجِ المِسْيارِ؛ ونَحْوِها، فإنّها تُفْسِدُ أكثرَ مما تًصلِحْ؛ خاصّةً في المُجتَمعاتِ التِي تكثُرُ فِيها العشائرُ والقبائلُ، وفَوقَ هذا فَنَحْنُ نَراها مُحّرَّمَةً غَيرَ جائزَةٍ؛ لمُنافاتِها لمقاصِدِ الشارِعِ من الحثّ على النكاحِ من جِهَةِ، ولما يَتَرَتَّبُ عَلَيها مِن الإضرارِ بالمرأةِ وذويها من جِهَةٍ أخرَى، ولأنّها جِسْرٌ من جُسورِ التآمُرِ علَى العالِم الإسلامِيّ من وَجْهٍ ثالِثٍ، ولو لَم يَكنْ فِي المَنعِ مِنها إلا أنّ المُسلمَ لا يَرْضاها لِنَفْسِهِ وحُرُمِهِ لكفَى؛ فقد قالَ علَيهِ الصلاةُ السلامُ: لا يُؤمِنُ أحدُكمْ حَتّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ.
والله أعلم, وصلى الله على محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم.
كان الله له
خادمُ العلمِ وأهلِهِ
أبُو الوليد الغزيّ الأنصاري