الصفحة 14 من 37

وذكرنا لكم مثالًا آخر في ذلك الرجل الذي عرضت عليه قضية، وهي قضية شفعة في إجارة في أرض، فلما كان صاحب الحق مسافرًا سأل الطرف الآخر، سأل هذا الرجل فأفتاه بأن لا شفعة في الإجارة، فلما قدم صاحب الحق، وقابل هذا المسئول، قال له: لو علمت أنك صاحب القضية لحكمت لك بقول أشهب -من علماء المالكية- فهو يقول بوقوع الشفعة أو بصحة الشفعة فيما يتعلق بالإجارة.

وكان بعضهم يتفنن ويتبجح ويقول: إذا كان لصديق لي قضية من القضايا أفتيته بما يكون سهلًا ورخصة، فهو يرى أن هذا من القدرات التي يتمكن بها من خدمة أصحابه أو قرابته أو معارفه، ولا شك أن هذا عبث في الشريعة، ثم إن هذا الذي يتتبع الرخص هو متناقض في نفسه، ولذلك فإن عبد الله بن المبارك حينما جاء إلى الكوفة وكانوا يرخصون في النبيذ المسكر، كانوا يقولون: بأن المسكر المحرم إنما هو من عصير العنب خاصة؛ لأنه هو الذي كان يشرب في وقت نزول القرآن، فيقولون: هذا هو الحرام، أما المسكرات من الأشياء الأخرى فإنها لا تحرم، فلما قدم عليهم ابن المبارك -رحمه الله- اجتمعوا عليه، وعرضوا عليه هذه المسألة فأخبرهم بأن ذلك لا يحل، فقالوا: قد رخص فيه فلان وفلان وفلان، وذكروا جماعة من علماء التابعين، فقال لهم: دعونا من تسمية الرجال، وأنتم ما تقولون: في فلان وفلان وفلان؟ وذكر لهم عطاء الخرساني، وذكر لهم طاووس بن كيسان، وذكر لهم جابر بن زيد، وذكر هم جملة من علماء التابعين، فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء علماء وأئمة، ولهم قدرهم ومنزلتهم، قال: فما تقولون في بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين؟ فقالوا: ربًا لا يجوز، قال: إن هؤلاء يرخصون فيه، فما تقولون؟ فإن قلتم: هؤلاء علماء فهؤلاء أيضًا علماء، فإذا استرخصتم في شيء تشتهونه وهو شرب بعض المسكر؛ لأن هؤلاء العلماء أفتوا بجوازه فأيضًا رخصوا في الأشياء الأخرى، لماذا تقولون: إنها حرام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت